اخر الاخبار - عدنان أبو عودة: حواتمة من عجّل بصدام الجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين (2-4)

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

موقع الوحدة الاخباري يقدم لكم كل جديد في الاخبار والرياضة والمنوعات

هل كنت حريصًا على ألّا يكون لك صلة بمدير المخابرات؟ كيف التحقت بدائرة المخابرات؟ وماذا كان عملك فيها بالضبط؟


نعم، كنتُ حريصًا على ذلك. لكن ركبتُ في السيارة، ومضينا إلى مقرّ دائرة المخابرات (القديم) في جبل عمّان. وكصديقين التقيا بعد مدة، بدأنا نتحدّث عن الماضي (كم عندك أولاد؟ أين ذهبت؟ ... إلخ). ثمّ عرض عليّ أن أعمل معه. سألته مستوضحًا، فأجابني أنّه يريدني أن أعمل في المخابرات. استغربتُ الأمر كثيرًا، فقال: "أعرف حساسيتك، لكنّي لا أريدك في المخابرات تتجسّس على الناس".
رحتُ أفكّر بالراتب، حيث لديّ مسؤوليات أسرتي، فسألته عنه، فأجابني بأنّ هذا يعتمد على الرتبة، وأوضح لي أن الرتبة ستكون نقيبًا، لأنّني كنتُ قد أنهيتُ دراستي الجامعية، والراتب 76 دينارًا، وهو ضعف الراتب المدني. وقال لي: "تضع نصفه لأهلك، والنصف الثاني لأولادك". هنا سألته عن عملي ماذا سيكون، فأخبرني أنّ هناك تقارير، معظمها بالإنكليزية، تتلقاها دائرة المخابرات، وهي عن تجسّس إسرائيل وأسلحتها وأجهزتها الأمنية الداخلية. وقال لي: "أريد شخصًا مثلك يفهم، ويقرّر، ويكون مسؤولًا عن هذا". فقبلتُ، وفعلًا كان هذا هو العمل. بعدها، جاء أجنبي من أميركا، لتدريبنا، وكنّا دفعة جديدة تضم متخرجين من الجامعة حديثًا، وتدربنا على العمل الاستخباري. ثمّ جرى تحويلي إلى قسم التحليل (أي تحليل مادة المخابرات التي تأتي)، وكنتُ أُعدّ تقارير في هذا الخصوص، يرفعها المدير إلى الملك.
بعد ثالث تقرير كتبته، ناداني محمد رسول، وقال لي: "عندما قرأ سيدنا تقريرك الثالث، قال لي: إمّا أنّ الدنيا تغيّرت في دائرة المخابرات، أو أنّ أسلوب التقارير تغيّر. وظننتُ، في البداية، أنّها لم تعجبه، فأخبرته أنّ كاتبها ضابط جديد تسلّم العمل حديثًا، فأوضح لي أنّه لم ينتقد ماذا كتب الضابط، ولكنّه يقول إنّ أسلوب التقارير اختلف". كان ذلك في عام 1966، وأبلغني محمد رسول أنّ الملك يريد أن يلتقي بي، ليتأكد أنّني أنا من أكتب هذه التقارير. وهذا ما كان.
"رفعتني معركة الكرامة إلى الأعلى. إنّها قصتي الحقيقية في حياتي السياسية كلها"

هل كانت هذه أول مرة ترى فيها الملك حسين؟
لا، كان الديوان الملكي يُفتح يوم الإثنين في الخمسينيات لمقابلة الملك. وكنتُ معلمًا في السلط، وقد أخذني مرة محمد رسول، ليعرّفني إلى الملك. وأتذكّر كلمة قالها الملك في ذلك اللقاء: "هذا بيتكم العتيق". أمّا أول لقاء، عندما كنتُ في دائرة المخابرات، فكان في عام 1966. وكان سيدنا، رحمه الله، مهذبًا، ويتحدّث بلطف وبالاسم. وقد تعامل معي باحترام. سألني كثيرًا عن الكويت، وسألني عن سبب مغادرتي الحزب الشيوعي.
حدثت تظاهرات في الخليل ونابلس وغيرهما، وكانت تهتف "جيش التحرير (الفلسطيني) يحمينا". وحدثت ضجة، وكان أهلي، حتى ذلك التاريخ، مقيمين في بيتنا في نابلس، وكنتُ أذهبُ إليهم كل خميس وأعود السبت. لبستُ، في أثناء زيارتي في تلك الأثناء، الزي العسكري؛ اعتقادًا منّي أنّ ذلك يجعل منع التجول لا يحرمني من الحركة. وذهبتُ ورأيتُ الذي أريد أن أراه. كان الجميع تقريبًا متفقين على أنّ جيش التحرير الفلسطيني سوف يحميهم، وكان بعضهم يقول إنّني جاسوس، ولا يحق لي أن أتكلّم في هذا الموضوع، حاولتُ أن أُفهمهم أنّنا نتمنى أن يأتي جيش التحرير ليساعدنا في حماية الضفة الغربية، لكنّ مجيئه سيكون مبرّرًا لإسرائيل أن تستمر في اعتداءاتها.
أخذتُ أهلي إلى عمّان في عام 1967 قبل الحرب بخمسة أشهر. وكان قد عرّفني إلى رئيس الحكومة السابق، وصفي التل، زميل في المخابرات من السلط، وكان أول لقاء بيننا قبل أربعة أشهر من الحرب. سألني عن مواقف الناس في الضفة الغربية، وعن رأيي في الأوضاع. صارت بيننا صحبةٌ عميقة، واكتشفتُ، في أثناء صحبتنا، أنّه أكثر عربي يعرف طبيعة الحركة الصهيونية ومخاطرها، وقد سحرني، وكان يميل إلى القدس أكثر من أي مقدسي. وهو الذي كان عسكريًا في جيش الإنقاذ في عام 1948. اتفقنا، من دون أن نلتقي، في أنّه حذّر الملك من التورّط في حرب 1967 . وفي أنّني حذّرتُ مدير المخابرات، محمد رسول الكيلاني، من ذلك.

51e2aaa448.jpg
الملك الحسين ورئيس الوزراء الأسبق مضر بدران والوزير السابق مروان القاسم وعدنان أبو عودة ومسؤولون أردنيون 

كيف كانت أجواؤكم في المخابرات الأردنية في أثناء حرب 1967؟ ماذا كنتم تفعلون؟
كانت أجواؤنا سيئة، لأنّ نصف البلد ضاع. كنّا نكتب تقارير عن الأوضاع، ونحن أساسًا لسنا أصحاب قرار، وإنّما أصحاب مشورة، وصاحب القرار هو الملك. نحن نكتب لمدير المخابرات الذي يرفع ما نكتبه إلى جلالة الملك. لكن استجد عندنا أمر جديد، هو الفدائيون الفلسطينيون ومشكلاتهم والتجاوزات العديدة التي حدثت.

"كان أبو عمّار في أثناء معركة الكرامة يتحدّث كما يريد، إلى درجة أنّ هناك من صاروا يعتقدون أنّه البطل، وأنّ الأردن تآمر عليه"

وقعت معركة الكرامة في عام 1968. ماذا كان دوركم في دائرة المخابرات العامة فيها؟ وماذا عن دور الفدائيين الفلسطينيين فيها؟
رفعتني معركة الكرامة إلى الأعلى. إنّها قصتي الحقيقية في حياتي السياسية كلها. لمّا بدأت المعركة، كنّا قلقين على جيشنا وعلى تقدّمه، وكنّا خائفين. لكن لمّا توسّط النهار، يوم 27 آذار/ مارس، عرفنا، في المخابرات، أنّ إسرائيل ترجو أميركا العمل من أجل وقف إطلاق النار. كان مهمًا أن نجعل إسرائيل تضطر إلى طلب وقف إطلاق النار، والسبب أن الوضع في عام 1967 كان صعبًا علينا. أمّا الفدائيون، فكانوا موجودين تحت التدريب، والمعركة كانت معركة جيش، والذين حاربوا منهم كانوا من سبعين إلى مئة شخص. وأذكر أنّي ذهبتُ، بعد المعركة، إلى المكان الذي وُضعت فيه جثامينهم، وكانت بين 70 و80. لم يكن السلاح، ولا طبيعة المعركة، يسمحان للفدائي، حتى المدرَّب، بمشاركةٍ فاعلة، حيث المدفعية ومضادات الطائرات والدروع.
عرضنا بقايا العربات المعطوبة من إسرائيل عند أمانة العاصمة في عمّان، وجاء الأردنيون من كل مكان فرحين، وهم يشاهدون نتائج المعركة.
كان جلالة الملك يأتي إلى دائرة المخابرات، ويجلس مع مديرها في مكتبه، ثمّ يُدعى مساعدو المدير، ويشاركون في باقي الجلسة مع الملك الذي يسمع منهم تقديراتهم، ثمّ يُستدعى ضباط العمليات. وكانت المخابرات تتابع حركة فتح" والجبهة الشعبية والأحزاب، ويسمع الملك من الحضور تقديراتهم، ويضعون المعلومات عنده ويذهبون. بالنسبة إليّ، فإنّ تقويمي الشخصي قد يكون متفقًا مع ضباط العمليات وقد لا يكون، وكان الملك يسمع منّي تقويمي للأمور. وكنتُ دائمًا آخر ضابط يراه لدى زيارته الدائرة.
بعد معركة الكرامة بعشرة أيام، جاء الملك، وكان مسرورًا، وكنا نحن في المخابرات مسرورين. سألني عن رأيي في الذي حدث. قلتُ له: "الحمد لله على ما حصل". سألني عمّا أقصد. قلت: "كان جزء من جيشنا منذ حوالى سبعة أشهر بلا بساطير [أحذية]، والجيش المصري مشتت، كما الجيش السوري. كان وضع العرب مخزيًا في حرب 1967، والجميع يائسون. ثمّ خلال 18 ساعة تمكّن الجيش العربي (الأردني) من إنهاء هذا اليأس، وجعل 

"قلتُ للملك بعد معركة الكرامة: سيدي، أخشى أنّ عرشكم سيهتزّ خلال عامين، إذا استمر الحال على ما هو عليه"
الجيش الإسرائيلي يطلب من أميركا المساعدة لوقف ضرب جيشنا عليه. وهذا، يا سيدي، نعمة من الله. وموقف الجيش العربي في معركة الكرامة أفادنا نحن، وأفاد العرب؛ لأنّ جيشنا استعاد ثقته بنفسه، وبالتماهي، حين يعلم السوريون والمصريون سيستعيدون ثقتهم بأنفسهم. وهكذا، بتوجيهات جلالتكم، وبقيادة قائد الفرقة اللامع الذي أدار المعركة بمهنية رفيعة، وبإقدام ضباط وضباط صف وأفراد الفرقة وبتضحياتهم أنجز جيشنا عملًا مجيدًا نفخر به ونعتز".
كانت وظيفتي من يوم معركة الكرامة إلى زيارة الملك إلينا في المخابرات، أن أتابع كل ما يتكلّم به ياسر عرفات (أبو عمّار) والفدائيون وبياناتهم. وكان أبو عمّار في هذه الأثناء يتحدّث كما يريد، إلى درجة أنّ هناك من صاروا يعتقدون أنّه البطل، وأنّ الأردن تآمر عليه. وأتذكّر، قبل يوم من مجيء الملك، كان هناك صحيفة اسمها بلاد الشرق قد نشرت خبرًا منسوبًا إلى فصيل من الفدائيين، عن معركة الكرامة، يُشعرك بأنّ الجيش العربي كان يتآمر على الفدائيين. وكنتُ مقهورًا من صمت الحكومة عن هذه الأمور. فقلتُ للملك: "يا سيدي، ألا تعرف الحكومة ما حصل في الكرامة؟". قال لي: "طبعًا". فحدّثته عن الانطباع الخاطئ الذي يمكن أن ينشأ من مطالعة تلك الأخبار، وبيانات الفدائيين وتصريحات أبو عمّار. صمت الملك، ثمّ قلتُ له: "سيدي، أخشى أنّ عرشكم سيهتزّ خلال عامين، إذا استمر الحال على ما هو عليه". لم يعقّب، وأطفأ سيجارته وغادر. ثمّ جاءني المدير محمد رسول إلى مكتبي، فقال لي: "أنت مجنون! كيف تقول للملك إنّ عرشك سيهتز؟ ماذا حصل لعقلك؟". قلتُ له: "يا باشا، أنا ضابط مخابرات، وظيفتي أن أقول الحقيقة لصاحب القرار، وأنا لستُ صاحب قرار، وهو حرّ يقبل هذا الكلام أو لا يقبله". وبدأ يصيح، قلتُ له بمنتهى الجدية: "يا باشا، أريد أن أترك وأستقيل". سألني عن السبب. فأجبته: "لأنّك تريد منّي أن أكون Clown (مهرجًا). وأنا لم أُخلق لأكون كذلك، ولا أستطيع". ثمّ بدأتُ أتحدّث مهنيًا، فهدأ أبو رسول.
2cf00fe414.jpg
عدنان أبو عودة يستمع إلى الوزير والمستشار صلاح أبو زيد وخلفهما الوزيران السابقان إسحاق الفرحان وسالم المساعدة وإلى يمينهما محمد رسول الكيلاني

هل حاولت الاستقالة مرة أخرى؟
تلقيتُ، في نيسان/ إبريل 1970، رسالةً من حاكم أم القيوين ، أخبرني فيها أنّ الإنكليز سيمنحون الاستقلال للإمارات في العام المقبل، أي في عام 1971، وأنّ الحكام يريدون الإمارات كلها متحدة، فيما تدير كل إمارة شؤونها، ويكون لها ما يشبه حكومة. وطلبني في الرسالة من أجل أن أسافر إليه، لأُعيّن في إدارة هذه الحكومة. كان ذلك قبل المواجهة مع الفدائيين بستة أشهر. سررتُ بالرسالة، ثمّ أعطيتها لمدير دائرة المخابرات الأردنية في حينه، حيث كنتُ أعمل طبعًا، مضر بدران باشا ، وأخبرته أنّني أريد أن أستقيل.
بعد أسبوعين، استدعاني، وقال لي إنّ سيدنا يرفض استقالتي. وبقيتُ، وبعدها صرتُ وزيرًا، ثمّ تغيّرت حياتي. وعندما استعدتُ تلك الحادثة، وأنا أكتب سيرة حياتي، التقيتُ مضر بدران، من أجل أن أستوضحه، بعد 46 عامًا، في شأن قوله لي حينذاك إنّ تلك الرسالة يجب أن يطّلع عليها الملك، ولأسأله عمّا إذا كان لابد للملك أن يعرف عن كل ضابط مخابرات يريد أن يستقيل، فأجابني أنّ هذا ليس بالضرورة، لكن لأنّك عدنان أبو عودة، كان ذلك ضروريًا. وقال لي إنّه عندما تولّى مسؤولياته مديرًا لدائرة المخابرات العامة، أبلغه سلفه محمد رسول الكيلاني أنّ سيدنا أوصاه فيّ.
لاحقًا، أُخبرتُ أنّ سيدنا أمر أن أشارك في دورة في لندن، وهو ما كان، وكانت عن الحرب النفسية، ومن تنظيم دائرة عند الإنكليز لمكافحة الشيوعية. وكانت مدتها أسبوعًا في كلية 

"أراد الفدائيون في الجبهة الشعبية أن يخطفوني من أمام منزلي في جبل عمّان، ما جعلني أبيت في دائرة المخابرات عشرة أيام"
حربية. وفي ثاني يوم على وصولي، ذهبتُ إلى قاعة محاضرات الدورة، وكانت صغيرة، ولم يكن فيها أحد سواي. وضعوا شاشةً على لوح سبورة خضراء، عرضوا عليه فيلمًا مدته نحو 18 دقيقة. شاهدته واستوعبته. ثمّ عرضوا فيلمًا ثانيًا بالمدة نفسها. ثمّ بدأ أحد الضباط يسألني، وكان سؤاله الأول عن موضوعي الفيلمين، فأجبتُ أنّهما عن حرب السويس في عام 1956، وهما فيلمان، بريطاني وآخر مصري معاكس له. ثمّ سُئلتُ عن الفيلم الأنجح برأيي، فأجبتُ أنّه المصري. ثمّ شرحتُ أسباب وجهة نظري، وكتب الضابط ذلك كله، ثمّ سألني إن كان لدي شيء آخر، فقلت: "لا".
سألني إن كنتُ أعرف عن سبب إيفاد الملك حسين لي إلى هذه الدورة، فأجبتُ أنّني لا أعرف. ثمّ قال لي إنّني لستُ بحاجة إلى الدورة، لأنّني إعلامي بطبعي، فسررتُ. وبذلك انتهت الدورة في هذا اليوم، على الرغم من أنّه بقيت خمسة أيام. وجلسنا نتحدّث عن الحرب النفسية وأمور أخرى. كان هذا قبل حوادث أيلول/ سبتمبر 1970 بثلاثة أشهر. كان يهيئني لأكون وزيرًا للإعلام.

هناك ورقة وحيدة في يومياتك تعود إلى عام 1970 عن السياسة الإعلامية للحكومة، وتذكر فيها أنّها كانت توجيهات وصفي التل. هل طُبّقت هذه السياسة تمامًا؟
لا، لم تُطبّق تمامًا، لأنّه مع بدء الاشتباكات مع الفدائيين الفلسطينيين، استجدّت وقائع وأوضاع جديدة، فأنت عندما تتعامل مع شأنٍ جديد لن يكون ذلك بنظرياتٍ جامدة. لكن، بالطبع المنطلقات والتوجهات الأساسية طُبّقت، فمثلًا استُخدمت تسميتا "الفدائي الشريف" و"الفدائي غير الشريف"، وكنّا نستخدمهما باتساع. وأنا مقتنعٌ بما كان يقوله وصفي إنّ لدى مصر قناة السويس، وهي تمثّل عامل ضغط على إسرائيل، فيما ليس لدينا في الأردن قدرة على الضغط. وتستطيع سورية أن تتعايش مع الجبهة الهادئة مع إسرائيل مئة عام، لكنّنا ذهبت منّا القدس، وليس لدينا من وسيلة ضغط إلّا أن نُكمل سعينا لاستردادها، لكن ليس مع هؤلاء، بل مع الفدائيين الحقيقيين. كان يتكلّم هكذا، لأنّها هذه هي وسيلتنا الوحيدة للضغط، يعني أنّه كان مؤمنًا تمامًا بهذا الأسلوب.

هل كانت تلك السياسة التي وضعتّها مع وصفي التل للترويج الإعلامي، أم كانت سياسة حقيقية أم قناعات حقيقية، يؤمن بها وصفي وينوي تطبيقها؟
هما شقّان؛ التطبيقي الذي أعمله أنا، والعقلي، أي ما وراء هذا الفعل. وكان العقل لدى وصفي أنّنا في الأردن ليس عندنا قوة ضغط إلّا العمل الفدائي، ليس لنا غير أصحاب هذا العمل، لكن ليس هؤلاء. أنت تسأل نفسك: لماذا تريد أن تقوم بهذا العمل؟ والجواب أنّ العقل يقول إنّك يجب أن تقوم به للأسباب التالية، وكان وصفي يذكر هذه الأسباب، وأهمها أنّه لا يوجد عندنا في الأردن قوة ضغط على إسرائيل.

هل تقصد أنّ توجّه وصفي التل كان مختلفًا، بفكره وعقله، عن المسار الذي ذهبت إليه الحوادث في ما بعد؟
ما سارت عليه الحوادث حكمته الحوادث.

أليست موازين قوى في بنية النظام نفسه، خصوصًا بعد اغتيال وصفي التل؟
اتهام وصفي التل بالعداء للفلسطينيين، وإحداث حالة عداء أردني- فلسطيني إعدام آخر له. ولهذا السبب، قلتُ قبل أشهر، في مدينته إربد، إنّ وصفي اغتيل مرتين، وأخشى أن يُغتال مرة ثالثة، وأرجو ألّا يحدث ذلك. أول مرة كانت من أعداء داخليين، ومن وزراء سابقين رأوا فيه خطرًا عليهم، وخافوا منه، وأنشأوا عنه حكاياتٍ عجيبة. الاغتيال الثاني هو ما حدث في القاهرة. والاغتيال الثالث هو الذي يُصنع الآن، أي اتهامه بأنّه يكره الفلسطينيين. وهنا أقول إنّه كان يحب أهل الخليل بالذات، ومعجبٌ بهم وبجديتهم في العمل.

عيّنت في أثناء المواجهات بين الجيش والفدائيين الفلسطينيين وزيرًا، فكيف كانت اجتماعاتكم؟ وما هو دوركم في الحكومة التي ترأسها محمد داود، بينما كان الوضع العسكري الميداني في البلد حرجًا؟
لا، بعد ما خرج السوريون من الشمال، كان محرجًا أنّهم دخلوا وتقدّموا من الرمثا باتجاه جرش. في ذلك اليوم، استدعانا الملك، رحمه الله، إلى بيته، ليأخذ منّا، نحن الوزراء، تفويضًا 

"لم يكن ما جرى في أيلول حربا أهلية في الأردن .. كان دفاعًا عن شرعية الحكم في الدولة التي أصبحت ضعيفةً ومهدّدةً"
لاستدعاء قوات أجنبية. تردّدنا، وتركنا، وخاطبنا: "أترككم يا إخوان تتفقوا، وتبلغوني". ودار نقاش بيننا، وكان محمد داود معنا. وكان في ذهن العسكريين بالذات بيننا، وأنا لستُ عسكريًا، ما جرى في عام 1958، عندما جاء الإنكليز ليحمونا، لم يريدوا أن يتكرّر هذا الأمر.

هل عرضت إسرائيل مساعدة؟
لا، عرضت على الأميركان أن تضرب السوريين من الجو، لكنّ الأميركان طلبوا منهم الطيران فوق الأراضي السورية، لتخويفهم فحسب. وأعلمت الولايات المتحدة الملك بهذا، وفعلًا حلّق الطيران الإسرائيلي فوق الأجواء السورية.

هل كانت الحكومة العسكرية حكومة فعلية، بمعنى أنّها كانت تحكم؟
بالاسم، لا يوجد أحد في الأسواق والشوارع. الناس مختبئة في البيوت، والفدائيون مختبئون في مراكزهم. الوحيد الذي يعمل هو أنا، والوزراء الآخرون يشربون القهوة والشاي. أتابع آخر الأخبار من غرفة العمليات العسكرية، وأصوغ الخبر لبثه في الإذاعة والتلفزيون كما أريد. وكنتُ أعتقد أنّ هذا يساعد الإعلام. كنتُ مشغولًا بما يجري من حوادث، وبما نريد أن يصل إلى الفدائيين منّا، فكنتُ أصوغ هذا الكلام. وكان المدخل دائمًا أنّ الجيش يريد أن يسيطر على الأوضاع، وأنّ المواطنين يريدون هذا. ومن جهتنا في الحكومة، نقول للأهالي إنّ ما يجري هو من أجلهم. ونصوغ بياناتٍ، ونخاطب الجيش في بياناتٍ بأن لا يخيف الناس، ولا يخيف الفدائيين. ونقول، في الوقت نفسه، للفدائيين إنّنا نريد العمل الفدائي، ولكن ليس هذا النمط منه.

كم استمرت الحكومة العسكرية؟
سبعة أيام، وبعدها تألّفت حكومة مدنية برئاسة أحمد طوقان، وكنتُ أيضًا وزير إعلام فيها. وعندما أخبرني الملك، في أول مرة، أنّه يريدني وزيرًا، وقد جلس إلى جانبي، المرحوم محمد داود، كانت تُسمع أصوات هاون، وكان يقول مع سماعه أصواتها: "الله يهديهم".

قلت مرة إنّ وصفي التل كان يقول "نريد أن تهمر عليهم"، أي على الفدائيين.
نعم، من أجل تطبيق الاتفاقات التي كان يُتوصل إليها معهم، وتأكيدًا على أنّنا سنطبقها، لكن من دون أن نتسامح معهم، عندما يوافقوا في الصباح، ثمّ يسحبون موافقتهم عصرًا. قلنا لهم إنّنا جادون، فحكومتنا عسكرية. وكان هذا جزءًا من حربٍ نفسية تُجبر ياسر عرفات على أن يجلس معنا ونتفاهم. ولمّا اتصل رئيس الوزراء، محمد داود، مع عرفات، صبيحة يوم 16 أيلول/ سبتمبر، من القيادة العامة للجيش، وكنتُ معه وأسمعه، من دون أن أسمع ردود أبو عمّار عليه. قال له: "أخ أبو عمّار، أستحلفك بالله، أستحلفك ببيت المقدس، استحلفك بالشهداء الفلسطينيين (ما بقي شيء مقدّس إلّا استحلفه فيه) خلينا نجلس مع بعض، وننتهي من المشكلة 

"كان وصفي التل يقول إن الفدائيين حرمونا من أن يكونوا وسيلتنا الوحيدة للضغط من أجل استعادة الضفة الغربية"
بكل بساطة".
لمّا أغلق الهاتف، سألته عن جواب أبو عمّار عليه، قال لي إنّه أخبره بأنّه سيتشاور مع قادة الفدائيين، وينقل إليه الرد في العاشرة مساء اليوم. ثمّ عندما جاء موعد الرد، رنّ التلفون، وتلقى محمد داود مكالمةً، وشاهدته حزينًا. وأخبرني بأنّ من تكلّم ليس أبو عمّار، وإنّما شخص آخر، أبلغه أنّهم (الفدائيون) لن يتعاونوا مع حكومته العسكرية.

أين كنتم في هذه الاتصالات؟
كنّا في مقرّ قيادة الجيش في العبدلي في عمّان، وننام فيه، وبقينا ستة أيام أو سبعة.

هل تعرّضت لملاحقة من الفدائيين في ذلك الوقت؟
"كتر خيرهم". أراد الفدائيون في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن يخطفوني من أمام منزلي عند الدوار الثاني في جبل عمّان، وكان ذلك في يوم اتصلت بي زوجتي في أثناء دوامي في دائرة المخابرات، بعد نصف ساعةٍ من وصولي صباحًا. أخبرتني أنّ والدي، رحمه الله، شاهد شخصًا مسلحًا عند باب المنزل، وكان فتىً نابلسيًا تعرّف إليه الوالد وسأله عمّا يفعله، فأجاب إنّ ضابطًا في المخابرات يقيم هنا، وأنّ المطلوب منه في الجبهة الشعبية أن يأخذ هذا الضابط. شتمه والدي، فهرب. أبلغتُ مدير المخابرات، وكان في حينه نذير رشيد، بالأمر، فطلب منّي أن أبيت في الدائرة، وهذا ما كان، عشرة أيام.

ab1f5471e6.jpg
عدنان أبو عودة مع رئيس باكستان الراحل الجنرال محمد ضياء الحق

ما تفسيرك للصدام المسلح بين الجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين، لماذا وقع؟
الذي عجّل في حدوث الصدام هو الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة؛ لأنّ منظمته رفعت شعار "عمّان الطريق إلى القدس"، و"لا سلطة إلّا سلطة المقاومة". ولو لم تواجه السلطة والجيش هذا الحال، لسقط النظام، ونحن حافظنا على النظام. واعترضتُ قبل عام على سؤال مذيعة في بي بي سي إنكليزي من لندن عن تلك حوادث، بسبب استخدام السؤال تعبير الحرب الأهلية بين الأردن والفلسطينيين، وقلتُ لها إنّ هذا التعبير خاطئ، فما جرى لم يكن حربًا أهلية، وبعض الصحافة الأجنبية الغربية هي من استخدمته.

إذا لم يكن ما جرى حربًا أهلية، ماذا يكون إذًا؟
كان دفاعًا عن شرعية الحكم في الدولة التي أصبحت ضعيفةً ومهدّدةً، لأنّه لو تركنا الوضع خمسة أيام بعد أيلول/ سبتمبر 1970، لكانت الخشية من أن يسقط الحكم، بحسب قولي للملك حسين قبل ذلك بثلاثة أعوام، إنّني أخشى أن يهتزّ الحكم.

استمريت وزيرًا، في حكومة أحمد طوقان، ولم تتوقف الحوادث. هل كنت تتوقع أن تمضي باتجاه أن ينتهي العمل الفدائي في الأردن، أم كانت الفكرة هي تنظيم أماكن وجوده؟
كانت التعليمات لديّ، باعتباري مفوّضًا، أن تختار الدولة أماكن الفدائيين، وكيفيات تدريبهم، وأن تجري الاتصالات معهم إذا أرادوا القيام بعملية فدائية ضد إسرائيل، لكنّهم حاربونا، ولم يريدوا مفاوضتنا. وبعدما صار اتفاقٌ برعاية عربية، أصبح الصدام في جرش. وللحق، كانت جهات في مؤسسة الحكم غير راضيةٍ عن التوجه الجديد باتجاه الصدام مع الفدائيين في جرش. باعتبار أنّ جرش خارج إطار الخطة الأساسية. ولم يكن ما جرى برغبة الإرادة السياسية.
أتذكّر أنّه في تموز/ يوليو 1971، كان رئيس الوزراء وصفي التل يسكن قرب السلط، وأنا أسكن في صويلح. وكان من عادتي أن أمرّ عنده كل يوم صباحًا، أشرب عنده فنجان قهوة، وأنا أعرض عليه ملخصًا عن تعامل الإعلام العالمي والعربي معنا، ونناقش هذا الملخص، ونقرّر ما إذا كان هناك ما يحتاج إلى رد.

"اكتشف المزارع في حديقة بيتي متفجراتٍ موضوعة في جداره كانت كافية لتدمير البيت كاملا"

فجر يوم بداية حوادث جرش، كنتُ أسمع من بيتي أصوات قنابل، ورحجّتُ أنّ وصفي يسمعها مثلي. وقد سألته في ذلك الصباح، وأجابني بأنّه سمع هذه الأصوات، وأنّه اتصل بقيادة الجيش مستفسرًا، فأبلغوه أنّها حدثٌ عابرٌ تمّ فيه الردّ على فدائيين اعترضوا دورية للجيش، غير أنّي عقّبتُ على ذلك بأنّ ما سمعناه يبدو أكثر من ردّ مثل هذا، فأخبرني بأنّه سيستوضح ثانية. وتاليًا، شاع خبر ما كان يجري في جرش في العالم، وسُئل عنه وصفي من الصحافة، وعمّا إذا كان مسؤولًا عنه، فأجاب بأنّه المسؤول. والمعروف عن وصفي أنّه لم يكن يخاف، ولا يتهرب من المسؤولية، وهو وزير دفاع، لكن الحقيقة أنّه لم يكن المسؤول، آخرون هم المسؤولون، بينما كان الملك مسافرًا.

كيف تلقيت خبر اغتيال وصفي التل؟
كنتُ في إسبانيا. سافرنا معًا في الطائرة نفسها، هبط هو في القاهرة، وأنا أكملتُ إلى إسبانيا، وكنتُ مدعوًا من حكومتها، بصفتي وزير سياحة وآثار.
في غرفتي في الفندق، كنتُ أنظر من الشباك على المشهد الجميل في ساحة غرناطة، وأتحدّث مع زوجتي عن التقدّم الذي وصل إليه الشعب الإسباني. ثمّ نزلتُ إلى بهو الفندق، وكان السفير الإسباني الذي يرافقني ينتظرني، لكنّي وجدته يتكلّم هاتفيًا مع مدريد، فيما وجهه أحمر، ثمّ أبلغني بالخبر السيئ، وبأنّه طُلب منه أن أغادر إلى مدريد، وبذلك دخلتُ غرناطة ولم أرها. وتبيّن لي أنّ الملك سأل عنّي في حينه، فعدتُ إلى عمّان.

ما تفسيرك لاستهدافه؟ ولماذا كانت صورته سلبية، مع أنّك أنت وكثيرون من معارفه تتحدّثون عن عروبيته وحبه الفلسطينيين؟
أخذ موقفًا معاديًا لجمال عبد الناصر علنًا في عزّ أيام عبد الناصر نفسه، ووقف مع اليمن ضد الجيش المصري، مثلًا، وهذه مواقف ليست بسيطة، بل تُسبب عداء.

كان المجموع العربي على الأغلب، في أثناء صدامات أيلول/ سبتمبر 1970، سلبيًا جدًا تجاه الأردن؟
ما عدا مصر، لأنّ الملك حسين كان يخبر جمال عبد الناصر بالتطورات في الأردن أولًا بأول. وكان قد دخل معه في حرب 1967، وقال له بعدها: "أعرف عن اتصالاتك بإسرائيل، فإذا كنت تستطيع أن تستعيد الضفة الغربية، فافعل بأي طريقة".

فضلًا عن محاولة "الجبهة الشعبية" خطفك، هل كانت هناك تهديداتٌ جدية على حياتك؟جاءتني رسالة ملغومة من الكويت في عام 1972، من شخصٍ نسب نفسه إلى منظمة أيلول الأسود، ومغلفها لا يزال عندي، اكتُشفت، لكنّ الأجهزة لم تنبهني بصددها، حتى لا أخاف. وفي عام 1974، كنتُ في مكتبي في وزارة الإعلام صباحًا، واتصلت بي زوجتي هاتفيًا، وأبلغتني أنّ المزارع في الحديقة اكتشف متفجراتٍ موضوعة في جدار البيت الذي بنيته من عرق جبيني. اتصلتُ بالمخابرات، فأرسلوا خبيرًا في المتفجرات، فأبطل مفعولها، وأخبرني، بعد عشرين عامًا على تلك الحادثة، العميد حسين توقة الذي أبطل اللغم، أنّ كمية المتفجرات كانت كافية لتدمير البيت كاملًا مع بيت الجيران.

كنت تزاول مهنتك في عام 1970 في الإذاعة والمخابرات عن قناعة لحماية الأردن ونظامه، وترى أنّ العمل الفدائي انحرف وأخطأ. عندما تُطلّ على ذلك الظرف، هل ترى أنّك كنت على حق؟
نعم، أحكم على الفدائيين بأنّهم، كما كان يقول وصفي التل، حرمونا من أن يكونوا وسيلتنا الوحيدة للضغط من أجل استعادة الضفة الغربية.

ترد في يومياتك وثيقة تعود إلى عام 1973، توصي فيها بالإفراج على معتقلين، وتورد في توصيتك تلك أنّ الأردن هو الممثّل الحقيقي والشرعي للشعب الفلسطيني. لماذا؟
لأنّني مقتنع بأنّ إسرائيل لن تعطي الضفة الغربية لأحد، خصوصًا الفدائيين، لكنّ الأردن عنده أمل في أن يعيد الضفة، ويحتاج إلى أي قوةٍ أخرى تساعده، وهو يعتقد أنّه لا يجوز الشك فيه وفي قدراته. وإسرائيل لا ترى أنّ الأردن ترك الفدائيين، أو ترك الفلسطينيين. كما أنّ أهل الضفة الغربية لم يشكّوا أنّه تركهم.

تُشكّل هذه القناعة مزاج قطاع عريض من الفلسطينيين، فوجهة نظرك تغاير مزاجهم العام.
لا أعرف ما هو مزاجهم العام، لكن هذا كان تفكيري الذي اعتقد أنّه من اللازم أن نتمسك به.

اقــرأ أيضاً

الخبر | اخر الاخبار - عدنان أبو عودة: حواتمة من عجّل بصدام الجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين (2-4) - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : العربي الجديد ويخلي موقع الوحدة عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

أخبار ذات صلة

0 تعليق