اخر الاخبار - تقدم الغرب وتخلفنا

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تقدم الغرب وتخلفنا

عبد الحق مفيد (المغرب)

14 أغسطس 2019

يعيش الإنسان العربي شرخا عميقا بين إحساسه وإيمانه بأحقيته العقدية والتاريخية في أن يكون على رأس المجتمعات في الازدهار والتقدم، وبين واقع الحال الذي يقول بعكس ذلك، إذ لا يحظى الإنسان العربي في مجمل التصنيفات التنموية إلا بالمراتب المتأخرة. ويبقى السؤال الذي طرح في فترة ما يعرف بالنهضة العربية مع محمد عبده والكواكبي والأفغاني معلقا إلى اليوم، وينتظر الإجابة عنه: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن؟
تتم تنشئة الإنسان العربي على أنه صاحب الحق في قيادة العالم، وذلك عبر مختلف وسائط التنشئة الاجتماعية من أسرة ومدرسة وإعلام، ويتم التركيز على أنه في حرب دائمة لاسترداد الريادة، وأننا في مرحلة انحطاط، وهي مرحلة ستنتهي إذا ما استطعنا العودة إلى ذلك النبع الصافي الذي كنا نستمد منه طاقتنا وقوتنا في عملية ارتدادية نحو الماضي، تؤدي إلى التحلل من الحاضر وشيطنة المستقبل. هكذا نصبح ماضويين بامتياز، ولا مكان لنا، لا في الحاضر ولا في المستقبل.
إننا، وفي كل الأحوال لا نستطيع استعادة هذا الماضي ولو افترضنا جدلا أنه متنور لأن كل المعطيات تغيرت وسيكون من الغباء، ومن التنطع التاريخي افتراض أنه في الوسع الإجابة عن إشكاليات الحاضر بأجوبة تم إنتاجها في الماضي.
ومقابل تكفير الغرب والآخر بصفة عامة نستغرب كيف يكون أكثر أخلاقا وأكثر أمانة منا، وأنه هو من يدافع عن حقوق الإنسان، وهو من يصطف بجانب القضايا العادلة، ويحقق العدالة الاجتماعية، وهو من تبتسم له الحياة ويحظى بكل مظاهر الرفاهية والعيش الكريم! وفي عملية للبوح الخفي نتساءل في شكل استنكاري: هل يعقل أن يكونوا أفضل منا؟ وما الذي ينقصنا لنكون الأفضل؟
حدثني أحد الاصدقاء، والذي كان في بعثة تربوية في إحدى ثانويات السويد أن التلاميذ، إناثا وذكورا، يتحدثون بأدب مطلق مع أساتذتهم، بل إنهم لا ينظرون إلى الأستاذ إلا نظرة احترام وتقدير. وأضاف: لم أرَ أي انحلال خلقي كما يتم الترويج لذلك، الناس في غاية اللطف والأدب؟
في مجتمعاتنا يتم استيراد كل شيء، آخر صيحات الموضة، آخر أنواع وأفخم السيارات، أفضل الهواتف الذكية وباهظة الثمن، نستورد الأدوية، نقوم بجلب الخبرة والخبراء، نبني مدنا مثل مدنهم وناطحات سحاب أعلى من ناطحات سحبهم، ومع هذا كله، نصنف في آخر الترتيب ويتم اعتبارنا دولا متخلفة، فأين الخلل؟
يبدو أننا نستورد كل شيء ونحاكي خبرات الغرب التقنية والعلمية، وقد نتفوق عليهم أحيانا، لكننا نبقى عاجزين أمام شيء واحد، ولا يبدو أننا قررنا في يوم من الأيام أن نأخده هو الآخر، إنه منظومة القيم، فالحضارة الغربية ليست تقنية فقط بل هي منظومة متكاملة وكل جزء فيها يقوم بإسناد وتقوية الأجزاء الأخرى.
لن يتقدم العرب إذا لم يأخذوا أيضا الديمقراطية والتعددية والحرية وحقوق الإنسان ودولة القانون والمؤسسات.
ساعة روليكس وكيفما كان ثمنها لا تساوي شيئا إذا لم تأت في موعدك وتحترم من ينتظرك. سيارتك المصفحة، والتي لا يوجد مثيل لها لا تعني شيئا إذا لم تتوقف لتحترم راجلا يعبر من ممر الراجلين.
إن التوليفة العجيبة والمغرقة في الشوفينية القيمية التي تقول بأخذ تقنيات الغرب مع الحفاظ على نفس بنيات البداوة والعشائرية والقبلية، لن تؤدي إلا إلى مسخ حضاري وازدواجية تصيب كل مفاصل الحياة. زد على ذلك أنه، وحتى حينما تستعمل وسائل الديمقراطية والبنيات التمثيلية للشعب من مجالس وبرلمانات، فإنها لا تتعدى الشكل نحو الجوهر، مما أصاب العرب بدوار تاريخي لم يخرجوا منه منذ بداية صدمة الاستعمار وإلى اليوم.
لدينا قوانين وأحزاب وديمقراطية ومؤسسات تمثيلية، وهي على شاكلة ما يوجد في أعتى الديمقراطيات لكنها لا تتجاوز الشكل نحو المضمون. لدينا أيضا قوانين لكننا لا نستطيع العبور إلى روحها، لدينا مؤسسات للعدل لكن بدون عدالة ومؤسسات تعليمية بدون قيم تربوية، ولدينا مستشفيات بدون استشفاء ومؤسسات للأمن تثير الرعب، وأسر تساهم في التفكك بدل نسج أواصر الأخوة والمحبة، ولدينا جامعة للدول العربية تفرق أكثر مما تجمع.
إن الأخذ بأسباب التقدم يكون في شكله وجوهره، ويبدو أن كل ما يظهر لنا من مظاهر للتقدم والازدهار، ليس إلا فقاعة كبيرة ستنفجر في وجوهنا مع أول ارتطام.

الأكثر مشاهدة

  • الأكثر مشاهدة

    مشاهدة إرسالاً

مقالات أخرى للكاتب

قطر وكأس العالم.. إنجاز عربي

8 أغسطس 2019 | حولت قطر، وبكل إصرار، دفة الأحداث، وأعادت فرض العرب على طاولة صنع الحدث، بعد أن كانوا خلال مئات السنين مجرد متلقين له، فنجاح قطر في نيل احتضان كأس العالم والنجاح في تنطيمها هو نجاح لكل العرب.

محمد السادس.. القرب من الشعب

5 أغسطس 2019 | حينما خرجت في المغرب تظاهرات 20 فبراير في عام 2011، لم يتأخر رد الملك محمد السادس كثيرا. وبدا في خطابه بعد هذه الهزة وكأنه يصطف مع من يطالبون بالتغيير. طالب المتظاهرون بإسقاط الفساد، وفي الوقت نفسه، كانوا يهتفون بحياة الملك.

الخبر | اخر الاخبار - تقدم الغرب وتخلفنا - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : العربي الجديد ويخلي موقع الوحدة عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

0 تعليق