اخبار السودان اليوم حتى يموت الترابي الأحد 13-3-2016

0 تعليق 7 ارسل لصديق نسخة للطباعة

لم يخلى بيت سوداني لم يتأثر بتركة الترابي السياسية والاجتماعية التي غرسها في عصب الحياة السودانية منذ اكثر من عقدين من الزمان . تباينت المشاعر والآراء حول موت الرجل حزن القليل وفرح الكثير وشمت الباقون وتبقى الواقع الذي تركه الرجل ميراثا ثقيلا على انسان هذا البلد لن ينزاح بخطب التكفير ومقالات التنديد والتشفي . رضينا ام ابينا نحن امام واقع سوداني جديد وجب على كل مدرك فيه لملمة نفسه سريعا والتعامل معه بوعي ويقظة لتلافى استمرار التجربة الحالية . يخطئ من يقول ان تأثير الترابي على الواقع السوداني خفت منذ المفاصلة وعلى صاحب هذا الرأي ان يراجع الحياة السودانية بكل جوانبها ليعرف عمق الجرح الذي تركه هذا الرجل فيها . سنأخذ بعض اسقاطات تجربته خلال الفترة القصيرة التي كانت مقاليد الأمور تحت يده مباشرة وتلك التي استمرت بتأثيره على من حوله وسلوكهم نفس مسلكه القبيح بعد انفصاله عنهم
الإقصاء السياسي :-
نفسية الترابي النرجسية المريضة نفسية يتمحور فكرها وينبثق من ذاتية منكفأة على مصالحها الخاصة لا تعترف بالأخر ولا تحترم الخصوم بالتالي هي مستعدة في سبيل تحقيق أهدافها لدهس كل القيم الإنسانية والتخلي عن الخلق الإسلامي المشبع بالحريات ، والتنكر للموروث السوداني الثر الذي يشبع النفس بكل مقومات التواضع والسماحة ، وان دل هذا انما يدل على ضعف شخصية تتوارى تحت دثار السخرية والاستخفاف بالناس الذي ميز الرجل .وكان اول العارفين لهذه النفسية المريضة هو الشيخ جعفر ادريس لهذا آثر الانزواء بعيدا عن المحفل السياسي السوداني وكأنه كان يتوقع ما ستنتجه عقلية هذا الرجل للبلد فقرر ان لا يكون مشاركا في الإساءة للوطن .
لو نظرنا الان الى كثير من الطفيليات التي انتجها هذا الفكر وتغلغلها داخل مكونات المجتمع نعرف ان للرجل اثر خطير يصعب التعامل معه بسطحية الغياب الجسدي ، فالرجل كاهن الفكر الإقصائي وفيلسوف التفرد بالرأي وتهميش الاخر فرخ قطعان من المهووسين الاغبياء خلفه . الان المسؤولية كبيرة امام الجميع للعمل يد واحدة لكشط هذا الفكر الطفيلي عن الجسد السوداني وإعادة تأهيل هؤلاء المرضى واذابتهم في الاخلاق السودانية من جديد ان دور المفكرين والمثقفين كبير في المرحلة المقبلة للعمل على هذا المشروع المهم فشريحة من المجتمع السوداني تحلقت حول هذا الفكر بشوفونية غريبة ساعد على تغلهلها في عصب هؤلاء كاريزما الرجل المخيفة للدرجة التي اصبح يتمثل هؤلاء به في كل شيء ملبسه كلامه حركاته والاسوأ الايمان المطلق بكل ما هرطق به من خرافات دينية وسياسية .
– التصفية الجسدية :-
ان استرخاص روح الانسان والتهاون بها أيدلوجيا ثابته في فكر الرجل ففي سبيل الغاية تبرر كل الوسائل وان كانت روح المسلم التي قال فيها رسولنا الكريم (لزوال الدنيا اهون على الله من قتل مؤمن بغير حق) . ما الجدوى من قتل انسان من اجل اثبات وجه نظر؟ ولن نسرد قائمة الاقتيالات الطويلة التي حفلت بها حقبة الإنقاذ . ضروري ان ندرس هذه الظاهرة ونقف عندها مليا فهذه بثور طفحت على الواقع السوداني لم نكن نعلم عنها شيئاً واذا لم نتكاتف جميعاً لتلافيها ستتحور النفسية السودانية كثيراً بطبيعة الحال مع مرور الزمن فالشاذ يكون قاعدة طالما اعتيد عليه .
– العنف الطلابي :-
ان عنفوان الشباب سلاح خطير استخدمه الرجل داخل الجامعات فعمل حزبه على غسل الادمغة بطريقة صارخة انتج معها أجيال من الرعاع يجوسون داخل جامعاتهم بالفوضى والخراب ويختصرون خلافاتهم السياسية في منطق العنف لا تتسع عقلياتهم الخربة لمنطق الحوار اتخذوا من منابر النقاش ساحات تتحدى بصلف وغرور جميع المكونات السياسية داخل الجامعة ادواتها السيخ والعصي والسلاح الناري حتى امتد صلفها هذا الى ادارتها الجامعية فكم أستاذ جامعي ضرب وأستهزئ به من قبل هؤلاء الرعاع .
يستحيل على سماحة التربية السودانية ان تنتج مثل هذا الفكر الجامح فمعظم هؤلاء الصغار جاؤوا من بيئة منزلية سليمة تشربت حب الغير ولكن سريعا ما ينتهج معها كوادر الحزب داخل جامعاتها أسلوب التعمية والتضليل باسم الدين فتحرف هذه العقلية الى عقلية مهووسة ومستعدة للقتل والضرب والتخريب . إذا فهو وضع استثنائي يمكن تداركه لو عملت كل المكونات السياسية والاجتماعية داخل الجامعات لاحتواء هذا الفكر بالاطروحات المسالمة والديموقراطية الممنهجة واعلاء قيمة الرأي والرأي الاخر. ومحاولة دمج هؤلاء في منتديات الادب والفكر وغيرها .
– تفكيك المواطنة:-
يبدو ان هذه الخصيصة الوحيدة المستجلبة من الفكر الاخواني من خارج السودان لان هذه النهج هو نهج المركزية الاخوانية ،عمل الترابي على ترسيخ هذا الفكر داخل الدولة السودانية فزج بالأغراب ووطن المنتمين الى فكرة الاخوان داخل البلد . وجنس كل فار من جحيم حكامه بالجنسية السودانية ، ويجب ان نلاحظ أن في هؤلاء الفارين قيادات اخوانية كبيرة ستعمل على بث سمومها داخل المجتمع ولايستبعد ان يكون من ضمن مخططها تبوء مناصب في الدولة مع مرور الزمن ليأتي زمن يحكمنا فيه الاغراب يغربون فكرنا ويشوهون سماحتنا . ولكن في رأي ان هذا الفكرة لم تأتي بأكلها بالنسبة للترابي ونعذو هذا للمفاصلة حيث ذهبت بعض أفكار الترابي معه وليس كلها .
-تقويض الدولة وقيام الدولة العميقة :-
اما تقويض الدولة الذي انتهجه الترابي منذ بداية سيطرته على البلد فتمثل في تشليع الخدمة المدنية القوية التي كانت تميز الأداء الإداري وتضبط مفاصل الدولة ، عمل على وأدها وتشريد كوادرها فخلت البلد لعاطلي المواهب والمسوخ التنظيمية داخل الحزب فانهارت الدولة من داخلها بامتياز . كما عمل على تفكيك الأحزاب المقاومة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وانتج بدال لها اجسام غريبة تتلقى فكرها داخل معسكرات التدريب تتسلح بالقبح وتنتهج النفاق مبدأ لها وحوش مسعورة جاهزة للقتل والتخريب لايرقبون فينا إلا ولا زمة تتشدق باشعار سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه وهو منهم براء ، ذلك بعد ان دمر جميع القوات النظامية التي كانت تحفظ للوطن كرامته ، وعمل على قتل كل الحراك الفني والادبي في البلاد الذي كان له دور اصيل في تشكيل الوعي الوجدان السوداني ، وللأسف الشديد برغم صفة القانوني التي يحمل الترابي شهاداتها كان الرجل العدو الأول للمنظومة القانونية القوية التي كانت تميز النظام العدلي في البلاد كما عمل على تضعيف الدور الرقابي المتمثل في الاعلام وجير كل الالة الإعلامية الموجودة في البلد لصالح أفكاره الهدامة . وبعد ان جلس على ركامها انتج لنا مفهوم الدولة العميقة التي صارت تدير البلد تحت استار الظلام وتمسك بخيوط اللعبة من تحت الطاولة لا يعرفها احد ولا يحكمها قانون ولا تضبطها اخلاق فئة من الاشباح تتحكم في مصير البلد لا ضمير لها رضعت من أثداء الفكر الفاسد لا تعرف الحق الا من خلال منظورها الضيق الذي تم تفصيله على قياس حزبها وزعيمه المريض .
تعد هذه الفقرة من أسوأ كوابيسنا في المستقبل فمعاول الهدم قد غاصت عميقاً في روح الدولة ولم يتبقى لنا الا الرماد منها وكلما طفت على السطح بوادر اصلاح وتغيير كان لها هؤلاء القوم بالويل بشتى أنواع القمع اللاأخلاقي ،الشيء الذي أصاب الذهنية السودانية بالشلل التام واعجزها ان تخرجنا من هذا الوضع المتأزم وهذا الشلل الذي أصاب الذهنية السودانية بما عرف عنها من اتقاد وما ميزها من ديناميكية خلاقة هي اول ما يحتاج مننا للالتفات اليه والعمل على ترميمها كأول واهم لبنة في عملية بناء الدولة .
-تأجيج القبلية :-
الترابي المهووس بالتشظي والتفريق استفاد تماما من التنوع الاثني في السودان بصورة سالبة جداً فعمل على اعلاء قيم القبيلة والجهوية ،كانت فكرة الترابي ضرب التيار الطائفي المتمثل في الأحزاب التقليدية وذلك بتقريب زعماء العشائر ومنحهم بعض المناصب الصورية والامتيازات الطفيفة ، ولأن مبدأ القبيلة يعتمد على الطاعة والولاء الاعمى استفاد الترابي كثيرا من هذا الوضع وعمل على تكريسه في كل نواحى الحياة السودانية فتسيد هؤلاء السادة نشرات الاخبار واعتلوا منابر الفكر والرأي في البلد وصارت استمارات التوظيف تشمل اسم القبيلة والتعيين في القوات النظامية اصبح بقوائم تقدم من لدن زعمائهم لتتولد لنا قيادات ركيكة وفطيرة تأخذ تعليماتها ومقرراتها من قراها حيث يقبع شيخ القبيلة والذي بدوره يأخذ توجيهاته من رأس الترابي.
على مر التاريخ كان السودان ينعم بهذا التنوع في اطاره التفاعلي الاجتماعي مع بعضه البعض مكملاً ومثرياً الحياة الاجتماعية بشتى الثقافات المتباينة ولم يخرج علينا يوم من يؤجج الجانب المظلم فيه بهذا الشكل القبيح ويقوم بإقحامه في الحياة السياسية والإدارية للدولة بصفته الاثنية المباشرة ، وهذا قمة الظلم لهذا التنوع الجميل ان يسرق ويحور بمثل هذه الفظاعة ما رمى الدولة في مزبلة التاريخ بعد ان كانت تخطو خطاوي وئيدة في طريق التحرر والحضارة والنماء الفكري. كنا نعرف ان الذين ينادون بالقبيلة والقبلية هم الجهال والفاقد التربوي وكان هؤلاء يحاربون من عقلاءهم ولكن الان صار شرف التباهي بالقبيلة ما يميز علماء وعقلاء الامة ليس الجهلاء وحدهم وهذا لعمري انتكاس للامة السودانية ما كنا نظن انه سيصبح واقعاً يمشي بيننا في يوم من الأيام.
هذه جوانب بسيطة من سلسلة الدمار التي اوحلنا فيها الترابي وهذا هو الواقع الذي انتجه لنا ما يطلق عليه المفكر الإسلامي ، وان هذا الواقع مازال يمشي بيننا لهذا فان مسؤوليتنا الوطنية تحتم علينا كمواطنين صالحين ان نعمل جميعا لتلافى هذا الوضع وتصحيح ما يمكن تصحيحه وبأسرع وقت ممكن ولعل موت الرجل يكون حافزا للكثيرين للعودة والمساهمة من جديد في بناء هذا الوطن . ورحم الله الترابي بقدر ما اساء لهذا الوطن .

الخبر | اخبار السودان اليوم حتى يموت الترابي الأحد 13-3-2016 - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : سودارس ويخلي موقع الوحدة عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

إخترنا لك

0 تعليق