اخر الاخبار الان - آلان تورينغ.. مأساة العبقري الذي غيّر عالمنا

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

منذ دقيقة واحدة — الثلاثاء — 12 / فبراير / 2019

آلان تورينغ.. مأساة العبقري الذي غيّر عالمنا

آلان تورينغ.. مأساة العبقري الذي غيّر عالمنا

ترجمة : لطفية الدليمي

تأليف : جِم ألدرِجSponsored Links

القسم الأول

1
المدرسة

وُلِد ( آلان تورنغ ) بمدينة لندن في 23 يونيو ( حزيران ) 1912 . في هذا الوقت كان أبواه يعيشان في الهند ؛ فوالده ( يوليوس تورنغ ) كان يعمل في سلك الخدمة المدنية الهندية ، وعقب ولادة آلان بوقت قصير عاد أبواه إلى مستقرّهما في الهند بعد أن تركا ولديْهما الصغيريْن برعاية أصدقاء للعائلة ، الكولونيل ( العقيد ) وورد وزوجته ، اللذيْن أصبحا بمثابة الأبوين الحاضنيْن لذينك الطفليْن .


لم يكن هذا الأمر بغريب في تلك الأزمان ؛ إذ أنّ العديد من العائلات البريطانية التي كانت تعمل آنذاك في الهند أو في بقاعٍ أخرى من الإمبراطورية البريطانية إعتادت إرسال أطفالها إلى إنكلترا لغرض نيل تعليمهم فيها ، كما إعتادت تلك العائلات على زيارة أطفالهم هناك بين الحين والآخر .
عاش الكولونيل وورد والسيدة زوجته في بلدة ( ليوناردز Leonard’s - on - Sea ) قريباً من ( هاستينغز ) بمقاطعة ساسكس ، وعُهِد أمر تربية آلان وأخيه إلى السيدة وورد ؛ غير أنّ المربّية المشرفة عليهما هي في واقع الحال من تكفّل بعبء تربيتهما ، وكان الاخوان يدعونها المربّية ( تومسن ) .
لم يكن آلان سعيداً بإقامته في منزل الزوجيْن وورد ؛ فقد إعتبراه طفلاً منغمساً في قراءة الكتب بطريقة غير معهودة مع نظائره من الصغار ، وهو من جانبه لم يكن طفلاً نشيطاً مسكوناً بالحركة والمناشط الفعالة ؛ الأمر الذي أنكره الزوجان وورد ولم يطيقاه ، ومن جانبها فقد إشتكت السيدة وورد بهذا الشأن مراراً إلى والدة آلان ، السيدة تورنغ ، التي ماكان في مستطاعها سوى الكتابة إلى إبنها الصغير آلان من الهند طالبة منه أنّ يكفّ قليلاً عن " أن يكون دودة كتبٍ لايهدأ لها بال " .
عندما كان تورنغ بعمر العاشرة أرسِل إلى ( هازيلهرست ) ، وهي مدرسة إبتدائية صغيرة للصبيان ، وحصل أثناء دراسة آلان في تلك المدرسة أن إعتزم أبوه الحصول على تقاعد مبكّر من سلك الخدمة المدنية الهندية ، ومن ثمّ إنتقل السيد تورنغ وزوجته إلى بلدة ( دينارد ) الواقعة في مقاطعة بريتاني شمالي فرنسا . كانت الخطّة المرسومة لآلان وأخيه أن يقضيا أيام العطل المدرسية بصحبة والديهما في بريتاني ومن ثمّ العودة إلى إنكلترا لإكمال الدوام في مدارسهما والإقامة في سكن داخلي ( تديره المدرسة ذاتها ) .
إنهمك آلان عام 1926 في التحضير لأداء الإمتحانات التي تؤهله للدخول إلى مدرسة ( شيربورن ) والفوز بمقعد دراسي فيها . كان القبول في تلك المدرسة العامة ذات المقام النخبوي الرفيع محفوفاً بالتنافس الشرس ؛ غير أنّ تورنغ نجح في إجتياز الإمتحانات المؤهلة لدخول تلك المدرسة وحيازة مقعد فيها .
حصل في سبتمبر ( أيلول ) 1926 أن إستقلّ تورنغ ، البالغ عامه الرابع عشر آنذاك ، قارباً من بريتاني قاصداً ساوثهامبتون في إنكلترا مسافراً في وجهة خاصة به وحده ، وعندما بلغ مقصده في ساوثهامبتون كان ثمة إضراب عام شمل كلّ أنحاء بريطانيا ؛ الأمر الذي عنى حينها أن لاوجود لقطارات عاملة ، أو حافلات نقل ، أو أية وسيلة أخرى من وسائل النقل العام ، فما كان من آلان إلا أن يمسك بمقود دراجته الهوائية التي أنزلها من ظهر القارب ، ثمّ إبتاع خريطة واندفع في قطع الستين ميلاً من ساوثهامبتون إلى شيربورن على دراجته الهوائية تلك ، وحصلت له في الطريق معضلات مع دراجته الهوائية ممّا أضطرّه للتوقّف لإنجاز بعض التصليحات عليها ؛ وكان عليه بالتأكيد ضرورة مبيته لليلة على الأقل في فندق ؛ ولكن برغم كلّ تلك المعوّقات إجتاز آلان بدراجته الهوائية بوّابات مدرسة شيربورن في الوقت المحدّد لبدء المدرسة . كان آلان طفلاً منضبطاً نظامياً بصورة فائقة ؛ ولأنه كان على هذه الشاكلة فقد أرسل لأبيه في فرنسا قائمة مفصلة عبر البريد بكلّ المصروفات التي تكفّلها في رحلته تلك ، وطلب إليه في رسالته تلك إرسال النقود اللازمة إليه . كان آلان ، حتى وهو في بواكير حياته ، شخصية ذات عزم وإرادة لاتلين ، وقد أسّس حياته على مواجهة كل المعوّقات التي تعترضه ومن ثمّ تذليلها واحدة بعد الأخرى سعياً لتحقيق غاياته المرتجاة .
لم تكن أوقات آلان في مدرسة شيربورن سعيدة مكتنفة بالحبور والرضا ؛ فقد كان التأكيد الدراسي الأكاديمي ، جرياً على العادة السائدة في معظم المدارس العامة البريطانية في ذلك الوقت ، منصبّاً على تدريس الكلاسيكيات ( اللاتينية واليونانية ) والآداب ، كما كانت الرياضة البدنية سمة مهمّة ملازمة للحياة المدرسية أيضاً ؛ في حين كانت موضوعات أخرى ( وبخاصة العلوم والرياضيات ) تُعدّ "مناشط تبتغي غايات لاتتّسم بالقدر الكافي من الوجاهة " . لم يأنس آلان دراسة الإنكليزية واللاتينية ؛ لذا فقد كان الإسم الأخير في صفّه من حيث الإنجاز الأكاديمي في اللغة الإنكليزية ، وقبل الأخير بواحد في اللغة اللاتينية ، فضلاً عن أنّ خطّه اليدوي كان كومة فوضى تستعصي على القراءة المفهومة ؛ إذْ ماكان في مقدوره الكفّ عن تمرير قلمه المملوء بالحبر على صفحات عمله حتى لتكاد الصفحة تستحيل بقعاً ملطخة بالحبر هنا وهناك ! ، ولطالما تذكّر رفقاء تورنغ آنذاك في المدرسة كونه صبياً فوضوياً غير أنيق الهندام ، تجتاحه التاتأة أحياناً عندما يعتزم الكلام .
ثمة تقرير حاد وجارح لأحد معلّميه في المدرسة يقلّل كثيراً من شأن تورنغ ، ويقول في جانب منه : " خطّه اليدوي هو الأسوأ بين الخطوط التي تسنّى لي معاينتها في حياتي . أعماله المدرسية المنجزة مبتذلة التكوين ، محشوة بالوسخ ، وغير متماسكة من الناحية المنطقية . " . قلّما كانت تلك البدايات وأضرابها ، بالطبع ، صالحة لأن توصف بالبدايات الملهمة لأيّ فردٍ سيعتبرُ في وقت لاحق واحداً بين أعاظم عباقرة القرن العشرين .
بقدر مايختصّ أمر تورنغ بالرياضة البدنية في المدرسة فهو لم يأنس للرياضات الجماعية ، وقد وجد في نفسه لذّة قصوى في الركض الطويل وهو منفرد بنفسه ، و جاءت شهرة تورنغ الذائعة وموهبته في الركض لمسافات طويلة منذ أيام دراسته في مدرسة شيربورن ، وقد فاز بتلك السباقات التي كانت تعقدُ في المدرسة ذاتها أو في السباقات التنافسية مع مدارس أخرى .
حتى مع الرياضيات التي أظهر فيها تورنغ مقدرة عظيمة ؛ فقد كانت له متاعبه معها في مدرسة شيربورن : كان تورنغ يعاني معاناة مؤلمة مع القسمة الطويلة ؛ لكنه من جانب آخر كان يعاني معضلة أكبر مفادها أنه كان يبلغ الحلول المطلوبة للمعضلات الرياضياتية من غير أن ينغمس في الخطوات الوسطية التي يتطلّبها بلوغ تلك الحلول - كان يصل إلى الحلّ بصورة مباشرة ويضع يده على النتيجة المطلوبة من غير أن يكشف للآخرين الكيفية التي بلغ بواسطتها تلك النتيجة ؛ ومن أجل هذا إشتكى مدرّسوه في مدرسة شيربورن بأنّ عمله في الرياضيات لم يكن " نظامياً وبكيفية منهجية مقبولة " . كانت تلك الخصلة في عمل تورنغ تعدّ شنيعة بالغة السوء لأنّ الطريقة المنهجية المعتادة في حلّ المعضلات الرياضياتية هي في بناء البرهان خطوة بعد أخرى بترتيب منطقي متماسك ، ولأنّ تورنغ كان يفتقد هذه الخصيصة فقد عدّ إنجازه الرياضياتي الأكاديمي في المدرسة متواضعاً ، وكانت درجاته المدرسية في إختبارات الرياضيات سيئة لأبعد الحدود المتصورة .
إستجاب آلان تجاه أوضاعه المدرسية تلك ، وبقدر مانعلمه ، بمزيج من الإنزعاج والإحباط . كان ينجز واجباته الأكاديمية المطلوبة ويفهمها بمثل مايفعل أي طالب مجدّ سواه ، وعندما كان الأمر يختصّ بحلّ المسائل الرياضياتية لم يكن يفهم السبب الذي يجعل مدرّسيه لايتحسّسون عدم حاجته لبلوغ الإجابات المطلوبة بالطرائق النظامية المعتادة ، المجهدة الطويلة والرتيبة ، في الوقت الذي كانت فيه الإجابة الصحيحة تنبثق - ببساطة - من عقله . كانت طريقة آلان المخالفة في التفكير قد حقّقت للتوّ آنذاك شيئاً من القبول باعتبارها نمطاً من الوسائل " الجانبية " غير المطروقة في حلّ المعضلات الرياضياتية ، وراحت تلك الطريقة الخاصة الممهورة باسم تورنغ تكشف عن نفسها شيئاً فشيئاً .
لم يغفل البعض من أساتذة مدرسة شيربورن رؤية المقدرة الفائقة التي توفّر عليها تورنغ ، وكان مدرّس الكيمياء واحداً من هؤلاء الخاصّة . كانت الكيمياء واحدة من أحبّ الموضوعات المفضّلة بالنسبة إلى تورنغ الذي لطالما قضى ساعاتٍ وهو يجري تجارب كيميائية متنوّعة ، وقد نجح في واحدة من تلك التجارب وهو لمّا يزل في الرابعة عشرة بعدُ ببلوغ طريقة غير معهودة من قبلُ في إستخلاص اليود من الأعشاب البحرية .
عثر آلان في مدرسة شيربورن ذاتها ، في نهاية المطاف ، على صديق شعر بالألفة والراحة معه ؛ إذ أنّ آلان وحتى وقت عثوره على هذا الصديق المسمّى ( كريستوفر موركوم ) كان صبياً منعزلاً ومستوحداً ويعدُّ كارهاً لأيّ شكل من أشكال العلاقات الإجتماعية ، وبسبب موقفه هذا كان رفقاؤه في المدرسة يرونه شاذاً غريب الأطوار . كان كريستوفر يكبر آلان بسنة واحدة ؛ لكنّ الإثنيْن كانا يتشاطران المُتَع واللذاذات ذاتها : كان كلّ منهما يختزن دهشة كبرى لأحجيات الكيمياء والعلوم الأخرى ، كما كانا يستطيبان المعضلات الأكثر تعقيداً في الرياضيات . أمضى آلان وصديقه كريستوفر الكثير من الوقت وهما يتناقشان بشأن نظريات آينشتاين ، ويعملان معاً في بلوغ حلولهما الخاصة للمعضلات التي كثيراً ماتصارع المجتمع العلمي بشأنها في تلك الأوقات .
إنهمك آلان في ديسمبر ( كانون أوّل ) 1929 في الإمتحانات التمهيدية التي تؤهّله للحصول على مقعد دراسي في جامعة كامبردج ، وكان آلان جديراً بالإلتحاق بجامعة كامبردج في الوقت ذاته الذي سيلتحق زميله المقرّب كريستوفر بها ؛ إذ مع أنّ آلان كان في السابعة عشرة فحسب لكنه إستأنس في نفسه كفاءة ومقدرة على أداء الامتحانات المؤهِّلة لدخول كامبردج . نجح كريستوفر في إمتحانات القبول تلك وجاءت نتائجه عالية تكفي لنيله منحة دراسية في جامعة كامبردج ؛ أما آلان فقد كان نصيبه الفشل في تلك المحاولة المبكّرة ؛ الأمر الذي ترتّب عليه ضرورة بقائه سنة إضافية أخرى في مدرسة شيربورن .

95e31cc3e5.jpg

------------------------
الخبر : آلان تورينغ.. مأساة العبقري الذي غيّر عالمنا .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : جريدة المدى

الخبر | اخر الاخبار الان - آلان تورينغ.. مأساة العبقري الذي غيّر عالمنا - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : اسرار الاسبوع ويخلي موقع الوحدة عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

0 تعليق