اخبار السودان اليوم مصر: انعدام الأمن الغذائي وتغيُّر المناخ الثلاثاء 8-3-2016

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

يجب ألا يندهش أحدٌ إذا قلنا إن مصر تعيش على حافة الأزمة، فرغم أنها تعتبر إحدى أغنى وأكبر البلدان وأعظمها نفوذاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن ارتدادها إلى الهيمنة العسكرية بعد أربع سنوات من حركة الربيع العربي جعل مناصري الحركة الأكثر تفاؤلاً مشبعين باليأس. ومع ذلك، فإن هذه الإحباطات الآيديولوجية تتضاءل بالمقارنة مع التهديد الأكبر لوجود مصر الذي تواجهه الآن، ففشل مصر -مثلها مثل كثيرٍ من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- في استئصال الفساد ومعالجة العجز الاقتصادي والتغير المناخي يفاقم من مشكلتها الحادة في الأمن الغذائي.
لكن هناك خطة ذات ثلاث خطوات يمكنها أن تخفف من غلواء هذا الخطر، وتشمل هذه الخطة إصلاح الدعم الحكومي والتطور التكنولوجي وتنويع السعرات الحرارية.
صحارى قاسية
ورغم اتساع مساحة مصر لكن تسودها صحارى قاسية تجعل معظم الأراضي غير مأهولة، فمعظم مواطنيها البالغ عددهم اليوم 82 مليون نسمة يعيشون في مدن مكتظة بالسكان على طول نهر النيل متجمعين في ثلاثة بالمائة فقط من الأراضي الصالحة للزراعة.
ويصعب على مصر -كي تحافظ على بقاء سكانها- أن تزرع ما يكفي من الخبز الذي يمثل تقليدياً سلعة غذائية أساسية ذات تكلفة منخفضة بالنسبة لأفقر مواطني الدولة (يقدّرون الآن بنسبة 26 في المائة من السكان).
ورغم ذلك ضمنت الحكومة توفيراً كبيراً لهذه السلعة الغذائية، حيث ظلت الحكومة المصرية أكبر مستورد للقمح في العالم في الوقت الذي ضمنت فيه أسعاراً منخفضة باعتبار ذلك جزءاً من استراتيجيتها للدعومات السلعية.
لقد ظل الالتزام بتوفير خبز بأسعار معقولة جزءاً أساسياً من العقد الاجتماعي المصري بين النخبة والفقراء وذلك لقرونٍ طويلة.
الأزمنة الحديثة
"
التكاليف للحفاظ على الأسعار المصطنعة لم ترهق الخزائن القومية فحسب بل أثبتت أيضاً أنها غير فاعلة في مواجهة تقلبات قوى السوق العالمية، ففي عامي 2010 و2011، رفعت حالات الطقس القاسية وإنتاجيات المحاصيل المتضائلة في العالم أسعار الغذاء العالمي إلى مستويات تاريخية
"
وشكَّل نفس هذا الالتزام في الأزمنة الحديثة ركيزة للاستقرار في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل سوريا والجزائر وتونس.
لكن التكاليف للحفاظ على هذه الأسعار المصطنعة لم ترهق الخزائن القومية فحسب بل أثبتت أيضاً أنها غير فاعلة في مواجهة تقلبات قوى السوق العالمية، ففي عامي 2010 و2011، رفعت حالات الطقس القاسية وإنتاجيات المحاصيل المتضائلة في العالم أسعار الغذاء العالمي إلى مستويات تاريخية.
ولما فاق التضخم الدعومات الغذائية أدت هذه التكلفة المتزايدة للغذاء والسلع الأساسية الأخرى إلى الثورات في تونس والجزائر وسوريا، فقد قال موقع ماركت ووتش الإلكتروني -عندما تنازل حسني مبارك عن السلطة عام 2011- إن مصر تشهد معدلات تضخم في سعر الغذاء بنسبة 19 بالمائة للعام بحيث لم تستقر هذه المعدلات استقراراً كاملاً منذ العام 2008.
الربيع العربي
لقد ظلت كل الأشياء كما كانت عليه ولربما اعتبر الربيع العربي انحطاطاً للسوق متضافراً مع الاضطراب المتكرر للحكم الاستبدادي.
ومع ذلك، فإن الأشياء قطعاً لن تظل كما كانت عليه، فشبح تغيُّر المناخ يخيِّم على العالم بأسره وعلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على وجه الخصوص، حيث اكتشفت دراسة أميركية علمية أجريت عام 2011، أن عمليات حرق الوقود الأحفوري ما بين عامي 1980 و2010، تسببت في خفض منتجات العالم من القمح بنسبة 5,5 بالمائة ومن الذرة بنسبة 3,8 بالمائة.
وفي داخل حدود مصر تتآكل الأرض الصالحة للزراعة كل عام بسبب التصحر وتدهور التربة وزيادة الملوحة.
ومن المتوقع أن تنقص الكمية السنوية للمياه في مصر والبالغة سبعة بلايين متر مكعب هذا إذا غمرت المستويات المرتفعة للبحر الأبيض المتوسط البحيرات الشمالية لمصر، مما يؤدي إلى خنق مصادر المياه النقية وتدمير مفرخاتها السمكية.
المهلة القصيرة
"
تخفيض هذه الدعومات أو إلغائها من كل الناس -باستثناء الأناس الأكثر فقراً- سيُعين على تقليل الضغط المالي على حكومة مصر
"
رغم أن أسعار القمح قد هبطت في الواقع من ذروتها البالغة 361 دولاراً للطن المتري في نوفمبر 2012 إلى 237 دولاراً للطن المتري في فبراير 2015، لكن لا يخلق هذا رضىً نفسياً، إذ يجب على حكومة عبدالفتاح السيسي أن تستغل هذه المهلة القصيرة لمعالجة بعض نقاط الضعف في الإمداد الغذائي للبلاد.
فبادئ ذي بدء يجب على الحكومة أن تعيد تقييم فاعلية برنامج دعمها الغذائي والسلعي الشامل إذ في الوقت الذي بات فيه هذا البرنامج يشكل مصدراً للاستقرار القومي نجده يمثل حلاً للعائدات المتناقصة بالنسبة لقضية ذات أهمية.
ويجب أن تعتمد التدابير الحالية على ضبط الأسعار الشاملة للسوق لا على الدخل الشخصي وذلك حتى يستطيع الفقراء دفع نفس الأسعار المنخفضة مثلما تفعل الطبقة الوسطى والأثرياء.
إن تخفيض هذه الدعومات أو إلغائها من كل الناس -باستثناء الأناس الأكثر فقراً- سيُعين على تقليل الضغط المالي على حكومة مصر.
الأموال المدخرة
ثانياً: يجب على مصر -باستغلال تلك الأموال المدخرة من خلال تخفيض الدعومات- أن تستثمر فوراً في التنمية والبنى التحتية والتكنولوجيا لصالح مَزارع الدولة التي تعتبر 90 بالمائة منها صغيرة الحجم وذات تكنولوجيا متدنية وغير فاعلة وتعوقها البيروقراطية الحكومية.
ولأنه لا توجد كيمياء مقدسة تجعل الرمال القاحلة مزدهرة خضراء، فيجب أن تستعمل كل الحقول القائمة أياً كان من التقنيات المتاحة للحصول على أعلى الإنتاجيات الممكنة.
أخيراً، يجب على الحكومة إدخال المحاصيل الأخرى في الاقتصاد وهي محاصيل يمكن نجاحها في طقس مصر الجاف.
فمحصول الفونيو الذي يعتبر من الحبوب الغذائية عالية الجودة والذي يُزرع في غينيا وسيراليون، له القدرة التي تجعله ينمو حيث تفشل المحاصيل الغذائية الأخرى.
وهناك اللوبيا التي يقتات عليها سلفاً 200 مليون أفريقي يمكن أن تنمو في التربة الرملية الجافة في الوقت الذي يمكن تنشيطها للاستخدام مع نبات آخر.
السوق الزراعية
"
في الوقت الذي تكون فيه الدول الصناعية مثل الولايات المتحدة والصين هي الأكثر قدرة على الريادة في معالجة التغير المناخي، يمكن للبلدان النامية أن تتخذ التدابير المطلوبة لتهيئة نفسها لمواجهة أسوأ السيناريوهات المحتملة
"
وحتى إذا لم تستزرع مصر هذه المحاصيل الغذائية تحديداً، فإن المشاركة مع السوق الزراعية الأفريقية ستعمل على تنويع محفظة سعراتها الحرارية وتمدها بدفاعات أفضل في مواجهة الاضطراب العالمي.
لن تكون أيٌّ من هذه المقترحات كافية لإخراج مصر بصورة كاملة من أزمة أمنها الغذائي، إذ إن أي دولة قائمة في بداية القرن الواحد والعشرين تعتبر جزءاً من المجموعة الدولية التي يجب أن تتشاطر نتائج أفعالها مع بعضها بعضاً.
وفي الوقت الذي تكون فيه الدول الصناعية مثل الولايات المتحدة والصين هي الأكثر قدرة على الريادة في معالجة التغير المناخي، يمكن للبلدان النامية أن تتخذ التدابير المطلوبة لتهيئة نفسها لمواجهة أسوأ السيناريوهات المحتملة.
وإذا لم تستطع الحكومة المصرية أن تلزم نفسها بالمراجعة والإصلاح، فإن الدولة سرعان ما ستلتهم نفسها.

الخبر | اخبار السودان اليوم مصر: انعدام الأمن الغذائي وتغيُّر المناخ الثلاثاء 8-3-2016 - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : سودارس ويخلي موقع الوحدة عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

إخترنا لك

0 تعليق