اخبار السعودية: حماية أم المهن

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

د.أحمد بن سعد آل مفرح*

لا يختلف اثنان على أهمية التعليم، والدور الكبير للمدرسة في تنشئة الفرد وتربيته وتعليمه، وتقدم الأمم يقاس بمتانة نظامها التعليمي، ومدى تحقيقه للأهداف التنموية، والغايات والمصالح الوطنية.

وعند الحديث عن المدرسة ـ بوصفها محضن التربية والتعليم ـ فإننا ندرك أن فاعليتها ودورها يكمن في دور المعلم تحديداً، فالمعلم الناجح يعتبر من “أهم القوى المؤثرة في عمليات التعليم والتعلم”، ليس هذا فحسب، بل يتعدى ذلك إلى حجم الأثر الذي يتركه المعلم سلباً أو إيجاباً على شخصية طلابه، وتعزيز القيم وتهذيب السلوك لديهم.

من هنا فإن مهنة التعليم يعتبر من أهم المهن، وهذا ما دفع شاندلر Chandler لوصف مهنة التعليم بأم المهن، لأنها تسبق المهن الأخرى، كما أنها لازمة لها، وتعتبر المصدر الأساسي الذي يمهد للمهن الأخرى ويمدها بالعناصر البشرية المؤهلة.

والتعليم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبناء الروحي والفكري والعقلي والنفسي للناشئة، والعناية بهم، والدول تسعى لتحسين مخرجات التعليم معرفياً وعلمياً وفكرياً وسلوكياً، وتتفاعل إيجابياً مع النقلة الهائلة التي تشهدها أوعية المعرفة وأساليب الحصول عليها، ومن أجل ذلك فإن المسؤولية المناطة بالمعلم كبيرة في تحقيق الأهداف التربوية والتنموية، وصلاح المعلم هو الصلاح الحقيقي للمؤسسة التعليمية ومتانة مخرجاتها، فالمعلم المؤهل يستطيع التعامل مع النظام التعليمي وتحقيق أهدافه وغاياته وتنفيذ برامجه مهما كانت التحديات، وهذا يؤكده الواقع المعاش، فكم شاهدنا من المعلمين الذين لهم بالغ الأثر في المدرسة رغم صعوبة بيئات التعلم وظروف المتعلمين، والعكس صحيح.

ومن المعلوم أن طالب اليوم يختلف جذرياً عن طالب الأمس الذي كان يتلقى جل المعارف من المدرسة فقط، وهي مصدره الوحيد، بينما أصبحت المعارف اليوم مشاعة ومتاحة في العديد من الأوعية والوسائط المعرفية، والتحدي الكبير الذي يواجه المعلم يتمثل في إعداد وتأهيل الطالب وتوجيهه لاختيار الأمثل والمفيد من تلك المعارف بأسلوب عصري يحترم العقول الناشئة، ويثمن القدرات الكامنة لديهم ويحفزهم للإبداع.

وللتغير الكبير الذي شهدته مهنة التعليم في السنوات المتأخرة وتحولها من كونها رسالة، حيث كان في الماضي لا يتصدى لها إلا من نذر نفسه خدمة للأجيال، احتساباً للأجر وإصلاحاً للمجتمع، فإنها غدت اليوم في كثير من الأحيان وظيفة يتسابق لها طلاب التوظيف من خريجي وخريجات الجامعات والكليات، ولا ضير في ذلك، ولكن ما يؤرق المجتمع والجهة المعنية بالتربية والتعليم هو تحول بعض المنتمين للتعليم عن رسالة التعليم الأساسية وغايتها السامية ومسؤوليتها العظيمة إلى اتخاذها وظيفة ومصدراً للدخل فحسب، مما دعا الكثير من المهتمين بالتربية والتعليم إلى المطالبة بتمهين التعليم حرصاً وحماية لرسالتها من جهة، وسعياً لمساعدة المنتمين لها للتطوير المهني والفني المستدام من جهة أخرى، شأنها في ذلك شأن سائر المهن.

وتبعاً لذلك، فقد ظهرت على السطح الحاجة إلى الترخيص للمعلمين، وضرورة أهمية اختيار وفحص الكفاءات لمزاولة التعليم، ونلحظ أنه يوماً بعد يوم، يتصاعد الاهتمام بين المختصين والمهتمين بموضوع تمهين التعليم، ومدى الحاجة له في ظل المطالبة المجتمعية الكبيرة بتحسين مخرجات التعليم، وتعزيز القيم ونشر الفضائل التي يرون أنها بدأت تتأثر سلباً بمستجدات العصر، نتيجة الغزو الفضائي والفكري والانفتاح المعرفي غير المسبوق، و يرون أن المدرسة هي المسؤولة عن إعادة الأمور إلى مسارها الصحيح، وأن المعلم تحديداً هو المعني بذلك.

ولوزارة التعليم محاولات سابقة جادة، وخبرات تراكمية ثرة، لاختيار أفضل المتقدمين لمزاولة التدريس في مدارس التعليم العام (الحكومي، والأهلي)، فقد اتضح ذلك جلياً من خلال إيجادها اختبار الكفايات الأساسية للعاملين في التعليم، الذي أخضعت له في عامي 1423/1424هـ و 1424/1425هـ جميع المتعاقدين المتقدمين للتدريس في المملكة، سواء بالتعليم الحكومي أو الأهلي، الذي ساهم كثيراً في اختيار المناسب للتدريس.

وفي عام 24/1425هـ تم تطبيق الاختبار على السعوديين المتقدمين للتدريس، وتم بموجبه التعرف على الاحتياجات التدريبية والقصور في الجوانب المعرفية للتخصصات المطلوبة، وكان بالإمكان أن تعتبر درجات الاختبار ضمن معايير الترشيح للوظيفة في حينه، بيد أن الوزارة رأت التريث وإخضاع الموضوع للمزيد من التقصي والدراسة.

وقامت الوزارة على إثر ذلك من خلال الأسرة الوطنية لإعداد المعلم بوضع تصور مقترح لرتب المعلمين، يتم بموجبه تصنيف المعلمين في مستويات مختلفة ومتسقة مع الدرجات الوظيفية لكادر شاغلي الوظائف التعليمية وفقا لإنجازاتهم التربوية والتعليمية، وارتقائهم المهني وخبراتهم الميدانية، ولم يعتمد ذلك المقترح.

وشرفت خلال عضويتي بمجلس الشورى بتقديم مقترح نظام مزاولة مهنة التعليم والذي اشتمل على خبرات الوزارة وتجارب الدول المتقدمة فيما يختص بتمهين التعليم ورخص التدريس وقد صدر النظام عن المجلس عام 1433هـ، وأصدر المجلس كذلك قراراً طالب الوزارة بإصدار تصنيف رتبي للمعلمين، وجميعها تستهدف تجويد أداء العاملين بمهنة التعليم ما ينعكس إيجابياً على المخرجات التعليمية.

وتوجت تلك الجهود والأفكار والرؤى والمقترحات بموافقة مجلس الوزراء الأسبوع الماضي على لائحة الوظائف التعليمية وسلم رواتب المعلمين والمعلمات والتي أخذت بمفهوم رخصة التدريس والتصنيف الرتبي للمعلمين والمعلمات بشكل كبير وأضافت الحوافز للمشرفين وللقيادات المدرسية، وقد نتفق أو نختلف على المزايا التي اشتملت عليها اللائحة وسلم الرواتب، بيد أننا نسير في الاتجاه السليم نحو تمهين التعليم وتجويد المخرجات، مهما كان الأثر الآني أو طوال الطريق، فالنمو المهني الذاتي الطوعي مهم جداً لمعلم اليوم، وحجب العلاوة السنوية عن المقصرين مطلب ملح، فلا ينبغي أن يتساوى المقصر مع المبدع، ولا الجاد مع الخامل الكسول، والتمايز بين المعلمين والمعلمات بناء على الأداء التدريسي المرتفع والكم المعرفي النوعي المقدم والمخرجات القوية أمور سيكون لها الأثر على المخرجات بحول الله.

إن الموافقة على اللائحة وعلى سلم الرواتب حلم طال انتظاره، ويعكس بجلاء اهتمام الدولة بمهنة التعليم وحرصها الكبير في الوقت ذاته على تحسين عمليات التعليم والتعلّم، وعدم التساهل في ذلك، ووضع التعليم بثبات على قاطرة التمهين لما يعول عليه ـ بعد الله ـ لتحقيق النهضة التنموية الشاملة التي تستهدفها وتستشرفها رؤية المملكة ٢٠٣٠.

ومع إدراكي أنه سيكون هناك عدم رضا مبرر لدى بعض المعلمين والمعلمات، حال تسكينهم على السلم الجديد، ومن ذلك مساواة الجميع وتسكينهم في درجة واحدة وفقاً للراتب (بموجب المادة ١٨ من لائحة الحقوق والمزايا المالية للخدمة المدنية)، مع وجود التفاوت المهني والأداء الوظيفي بينهم ما قد يؤثر على انتمائهم للمهنة وعطائهم التدريسي.

وأجدها فرصة أن تميز الوزارة حال التسكين والأخذ في الحسبان الأداء الوظيفي الفعلي والنمو المهني والالتزام بالدوام والتعليمات في السنوات السابقة، وهذا الإجراء من شأنه أن يثبت ويعضد مصداقية السلم الجديد وجديته في مراعاة الفروق الوظيفية والمهنية بين المعلمين والمعلمات، وتوجهه الاحترافي الجاد نحو التمهين الحقيقي للمهنة.

أتمنى أن تتدارك الوزارة مبكراً أي إشكال ـ وهو طبيعي ـ قد يعترض التطبيق الأمثل للائحة والسلم الجديد، ولا يترك أو يسوف بحله وتوعية وإفهام المعنين بالأمر بما أشكل عليهم قبل أن يستفحل وتكبر كرة الثلج فيصعب حينها الحل.

*معلم وعضو مجلس شورى سابق

الخبر | اخبار السعودية: حماية أم المهن - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : صحيفة المناطق ويخلي موقع الوحدة عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

0 تعليق