اخبار العالم حكايات الأبطال السريين لثورة 1919

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الأبطال السريون يختبئون فى التاريخ بين السطور. يحسبهم الجاهل هامشيين بأدوار ثانوية، رغم أنهم حملوا أرواحهم فوق أكفهم وقدموها فداء للوطن. لم ينتظروا جزاءً ولا شكوراً. بعضهم لا يعرفهم أحد رغم عظم ما قدموه فى واحدة من أعظم ثورات التاريخ الإنسانى الحديث وهى ثورة 1919.

جميعنا يعرف قصة الثورة، عندما بدأت إرهاصاتها فى نوفمبر 1918 حيث اتفق سعد زغلول وعبدالعزيز فهمى وعلى شعراوى على مقابلة السير ونجت المعتمد البريطانى فى مصر وطلبوا منه السفر إلى لندن لتقديم طلب مصر بالاستقلال إلا أنه رد بأنهم ليسوا مُعبرين عن الشعب المصرى، وهو ما دفعهم لعمل حملة توكيلات انتهت بالقبض على سعد وزميليه فى 8 مارس 1919 ونفيهم إلى مالطة.

فى اليوم التالى مُباشرة اندلعت الثورة صاخبة عاتية مُزلزلة، مظاهرات فى كُل مكان، إضرابات، هُتافات، وإعلان رسمى بمقاطعة كُل ما هو إنجليزى. كان سعد زغلول هو الأيقونة، الرمز، الأب الروحى، والزعيم المحبوب، لكن وراء الستار كانت هناك شخصيات عديدة توارت فى التاريخ حياء وإيثاراً. بعضهم دفع عمره والآخر دفع ماله وأمنه من أجل الثورة.

حول هؤلاء السريين وأعمالهم نُفتش كُتب التاريخ وشهادات الثوار وكتابات الباحثين باعثين تحية سلام إلى أرواح خالدة تُجبرنا على احترامها.

 

مُهندس الجهاز السرى

هل كان سعد باشا يتوقع القبض عليه؟ مَن يطالع مذكراته يعلم يقينا أنه كان ينتظر ذلك بين الحين والآخر، وهو ما دفعه إلى الإعداد لترتيبات ما بعد ذلك.كان الرجل يرتبط بصداقة ضابط سابق عُرف بدهائه الشديد هو عبدالرحمن بك فهمى، الذى أوكل إليه مهمة تنظيم الجهاز السرى للثورة من خلايا عنقودية متتالية بحيث تنتقل الثورة من خلية إلى اخرى دون اتصال مسبق بين الخلايا.

كانت الثورة المُسلحة هى الحل فى تصور رجل بواقعية وخبرة سعد زغلول، لذا فقد تنوعت مهام الجهاز السرى للثورة بين التحريض على التظاهر، والاعتداء على الإنجليز ضباطاً وجنوداً وموظفين، وإرهاب الساسة المصريين المتعاونين معهم. وكان عبدالرحمن فهمى خير قائد سرى للثورة فهو عسكرى ولد سنة 1870 وعمل ضابطاً بالجيش قبل أن ينتقل للعمل الشرطى مأموراً لأقسام شرطة بالصعيد قبل أن يتولى مديرية بنى سويف ثم الجيزة وهو ما أكسبه مهارات وخبرات نادرة.

فى الفترة الممتدة من لحظة القبض على سعد باشا وحتى الإفراج عنه ثم سفره إلى أوروبا حتى عودته عام 1922 كان العمل السرى هو أداة الضغط الرئيسية ضد السلطات الإنجليزية. كانت التعليمات تُكتب بالحبر السرى فى باريس ويتم نقلها إلى عبدالرحمن فهمى لتتحول إلى التنفيذ المباشر وسط هلع وذعر قوات الاحتلال وأذنابها. وفى تصور المؤرخ فتحى رضوان فإن عبدالرحمن فهمى كان أشبه بالمحرك الرئيسى فى ماكينة الثورة فكان يبعث جواسيسه وعيونه ويجمع الأخبار ويرسلها بشكل شبه يومى إلى سعد باشا ويطبع المنشورات ويؤلف الشعارات وينظم المظاهرات ويدير عمليات الجهاز السرى بدقة وحرص ومكر.

ومن يطالع رسائل عبدالرحمن فهمى إلى سعد زغلول والتى نشرها مصطفى أمين فى الكتاب الممنوع عن الثورة يتعجب كيف كان الرجل يجمع تلك المعلومات الدقيقة والمفصلة عن الإنجليز ورجالهم والساسة والمجتمع والثوار ويبعث بها بشكل سرى دون أن تكتشف إلى باريس.

المثير أن الإنجليز لم يتمكنوا من حيازة دليل واحد على تورط «فهمى» فى إدارة الجهاز السرى للثورة لكن شكوكهم دفعتهم إلى تلفيق قضية له ومحاكمته عسكرياً مع 27 مصرياً بتهمة تأسيس جمعية للانتقام السياسى وحكموا عليه بالإعدام، ثم خفف الحكم إلى الاشغال الشاقة. وقد خرج عبدالرحمن فهمى خلال وزارة الوفد عام 1922 ليؤسس اتحاد نقابات مصر، ثم قبض عليه مرة أخرى فى قضية مقتل السير لى ستالك سردار الجيش البريطانى فى السودان خلال زيارته لمصر، وخرج بعدها من السجن منتظراً حكم التاريخ بعد سنوات صعبة من التضحية والفداء لينخرط فى النشاط العمالى والعمل الخيرى.

والحقيقة أن رجال الجهاز السرى للثورة ضموا مختلف فئات المجتمع من طلبة وعمال وتُجار ونساء. بعضهم عاشوا ليرووا شهاداتهم فيما بعد والبعض الآخر رحلوا دون أن يتركوا لنا سوى انطباعات المُحيطين وإعجاب الباحثين.

 

بُعبع الإنجليز

واحد من هؤلاء لفت نظر الروائى والسيناريست أحمد مراد فاختاره بطلاً لرواية كتبها قبل عامين حملت عنوان «1919» وهو أحمد عبدالحى كيرة، طالب الطب الداهية الذى كان بُعبعا للإنجليز.

لم تمر ساعات قليلة ويعلم طلبة المدارس بنفى سعد وزميليه حتى خرجت المظاهرات العفوية إلى شوارع القاهرة. فى البداية امتنع طلبة مدرسة «كلية» الحقوق بالجيزة عن دخول المحاضرات وأعلنوا إضرابهم عن الدراسة رافعين شعار «لا يمكن دراسة الحقوق فى بلد لا يحترم القانون».

فى اليوم التالى خرج طلبة الحقوق فى مظاهرة إلى طلبة الهندسة والزراعة بالجيزة ثم التقوا مع طلبة طب قصر العينى وسارت المظاهرة نحو المبتديان لتلتقى مع طلبة التجارة، وهناك تصدت لهم قوات الشرطة واعتقلت نحو ثلاثمائة طالب. وفى يوم 10 مارس أعلن جميع طلاب مصر انضمامهم إلى الإضراب وخرج طلبة المدارس الثانوية لينضموا إلى المتظاهرين ويملأوا جميع شوارع وميادين القاهرة هاتفين باستقلال مصر وحريتها ولم تلبث أن انضم العمال إلى المتظاهرين.

وفى الأقاليم والمحافظات انتشرت عدوى الثورة عبر طلبة الكليات والمدارس والذين أسسوا عدة تنظيمات سرية للكفاح المسلح ضد الاحتلال. كما ضم التنظيم السرى لثورة 1919 الذى كان يديره عبدالرحمن فهمى عشرات الطلبة فى مختلف كليات مصر، وقد نفذ ذلك التنظيم عمليات اغتيال ضد موظفين وجنود إنجليز وبعض المتعاونين معهم من المصريين.

واللافت أن شخصية أحمد كيرة التى رسمها الروائى أحمد مُراد تختلف كثيراً عن شخصية «كيرة» الحقيقى من عدة وجوه، ربما أحدها الوسامة والأناقة، فكيرة الحقيقى أسمر، وقصير ولديه أثر جرح غائر فى جبهته، وكيرة فى الرواية شاب وسيم رقيق، قادر على جذب النساء.

كان كيرة كما يذكره مؤرخو الثورة يجيد التنكر والتخفى والتحدث بلغات مختلفة يوماً ما تجده نجاراً، ويوماً آخر شيخاً معمماً، وتارة جندى بريطانى ومرة أخرى فلاح بسيط، وكان قادراً على تصنيع القنابل، خبيراً فى أنواع المُسدسات، وعلى دراية باستخدامها. وقد داهم الإنجليز مخابئ أعضاء التنظيمات السرية واحداً تلو الآخر لكن كيرة أفلت بأعجوبة.

وفى عام 1924 اغتال أحد التنظيمات السرية سردار الجيش البريطانى فى السودان السير لى ستاك خلال زيارته للقاهرة، وسقط التنظيم فى يد الإنجليز بعد وشايات من أحد الخونة وهو نجيب الهلباوى، وأدلى شفيق منصور زعيم التنظيم باعترافات تفصيلية بالتنظيمات السرية وعرف الإنجليز اسم أحمد عبدالحى كيرة، وأخبره زملاؤه بانكشاف أمره وضرورة هروبه.

ويحكى الكاتب صبرى أبوالمجد فى كتاب له حول أبطال الجهاز السرى لثورة 1919 كيف جمع طلبة مصر أموالاً لتهريب «كيرة» إلى ليبيا ومنها إلى إيطاليا، إلا أنه فوجئ بوجود إخبارية بوصوله، فاضطر إلى الهرب مرة أخرى إلى تُركيا. وقد ذكر مُصطفى أمين فى الكتاب الممنوع أن منشوراً أصدرته المخابرات البريطانية وتم إرساله إلى كافة مكاتبها فى دول العالم قالت فيه «اقبضوا عليه حياً أو ميتاً. اسمه أحمد عبدالحى كيرة، كيميائى كان طالباً فى مدرسة الطب، خطير فى الاغتيالات السياسية، قمحى اللون، قصير القامة وذو شارب خفيف وعمره 28 عاماً». ورغم عدم وجود أصل هذا المنشور بين الوثائق البريطانية خلال الاحتلال البريطانى لمصر التى أفرج عنها مؤخراً، فإن معناه كان صحيحاً إذا قرأنا ما كتبه الأديب يحيى حقى الذى كان يعمل فى أسطنبول قُنصلا. لقد حكى «حقى» جانباً من حياة أحمد كيرة قبل أن يحكى مقابلاته له فى كتابه «ناس فى الظل» إذ يقول عنه:

«بعبع الإنجليز، يبحثون عنه بعد أن فتلوا له حبل المشنقة، كنت لا ألقاه إلا صدفة وألح عليه أن نأكل معاً فيعتذر قائلاً: قريباً إن شاء الله. وظل هذا حالى معه أربع سنوات كلما أدعوه يعتذر بأدب. وقد رأيت فيه المثل الفذ للرجل الرشيد. كانت ملابسه تدل على مقاومة عنيدة للفاقة وغلبت صفرته التحتانية على لونه الأصفر، يمشى على عجل ويحذر كأنه يحاول أن يفلت من جاسوس يتبعه، ويخلو كلامه من أى عاطفة، فلا تدرى إن كان متعباً أم غير متعب. جيبه نظيف أم دافئ، معدته خاوية أم عامرة؟».

والواقع أن كيرة حاول فى البداية أن يتحول إلى شخص طبيعى فافتتح مقهى، ثُم تعرّف على كثير من المصريين المقيمين فى تُركيا، حتى إن صبرى أبوالمجد يؤكد أنه التقى الخديو المعزول عباس حلمى الثانى هُناك بعد أن علم أن بعض المصريين نقلوا له أن كيرة سيقتله. لكن على ما يبدو فإن عيون وجواسيس البوليس المصرى والإنجليزى على السواء دفعته دفعاً إلى التوارى والاختباء. ويبدو أيضاً أن مخاوفه كانت فى محلها وهو ما يُسجله يحيى حقى قائلاً: «حاولت أن أعرف أين يسكن فلم أنجح وقيل لى إنه يسكن فى ثلاث شقق كل منها فى حى بعيد عن الآخر ولا ينام فى فراش واحد ليلتين. إنه يعلم أن المخابرات البريطانية لن تكف عن طلبه حتى لو فر إلى أقصى الأرض. إنها لا تنسى ثأرها البائت». وفيما بعد وجدوا جثة «كيرة» فى حفرة بجوار سور أسطنبول القديم مقتولاً بطعنة خنجر، ولم يتحرك أحد فى السفارة المصرية للتحقيق فى مصرعه. ولا يعرف أحد حتى الآن مَن كان وراء اغتيال هذا البطل الأسطورى.

 

مبتكر قنابل الموت

 

من الأبطال السريين أيضاً طالب اسمه سيد باشا وكان يدرس بمدرسة المعلمين وانضم مع زملائه إلى جماعة ثورية عقب القبض على سعد زغلول، وعقد صداقات مع عدد من عمال السكة الحديد ليستخدم ورش ومصانع السكة الحديد فى تصنيع قنابل بدائية بعد وضع مواد كيماوية تؤدى إلى الانفجار.

ونجح تنظيم سيد باشا فى توريد القنابل والأسلحة لكثير من عمليات الجهاز السرى. واستمرت ضربات الثوار للإنجليز والخونة تتصاعد حتى انكشف أمر سيد باشا وأخبره أحد المخبرين التابعين للثورة أن مدير الأمن العام وجه نداء إلى مخبريه للقبض على الطالب سيد محمد باشا بصفته المدبر الرئيسى لكثير من جرائم الاغتيال السياسى. وتتضمن عمليات سيد باشا قتل الكابتن صمويل كوهين، والضابط بردفول، والبكباشى كيت مساعد الحكمدار، والصول الإنجليزى دنكل ومستر جوردان ومستر برت مفتش السكة الحديد وعشرات غيرهم.

عندئذ قرر أعضاء التنظيم تهريبه إلى الخارج وسافر إيطاليا وسرعان ما استأنف نشاطه السياسى فى الدعاية للقضية المصرية، وسافر إلى باريس ليلتقى الزعيم سعد زغلول ثم يعود إيطاليا ليكتب عدة مقالات فى الصحف الإيطالية مطالباً بالاستقلال ويلتقى بموسولينى، ثم يحصل الطالب المصرى على الدكتوراه مع مرتبة الشرف ويسترد جميع المصروفات الجامعية ويعود إلى مصر ليستأنف العمل على خدمتها. ويتنقل الرجل بين عدة وظائف بوزارة التعليم ويصدر مجلة بعنوان «المشهور»، ويمتد به العمر ليشهد ثورة 23 يوليو، ثم ليشهد حرب يونيو وحرب أكتوبر ويقف مسانداً للرئيس السادات فى توجهه نحو السلام، ويرحل عن عالمنا عام 1982 بعد أسابيع قليلة من عودة باقى أراضى سيناء إلى مصر.

 

الفدائى القبطى

ومن الطلبة أيضاً عريان سعد يوسف، وهو طالب بكلية الطب، وقد ترك لنا مذكراته التى حكى فيها تعرفه على جمعية شبابية للهو والعبث بين طلبة الكلية إبان ثورة 1919 تحمل اسم جمعية الأنس. وكان أفراد الجمعية يجتمعون ليلاً ويخرجون فى رحلات رياضية للعبث والتنزه، وهو ما كان محل استنكار من جميع طلبة الكلية والشباب. وفى يوم ما وقف عريان مع شباب جمعية الأنس خطيباً داعياً إلى ضرورة العمل السرى لقتل ومقاومة الإنجليز وعملائهم، ولم يسمع سوى السخرية ولم يلق سوى الرفض من طلبة الجمعية. وبعد أيام فوجئ بأحد أفراد الجمعية يسأله إن كان جادا فيما قال ويعرض عليه الانضمام إلى جماعة اليد السوداء الناشطة ضد الاحتلال، ولم تكن جمعية الأنس سوى واجهة لهذه الجماعة الخطيرة.

ويحكى عريان أن الجماعات الوطنية حذرت المصريين من قبول الوزارة خلال زيارة لجنة ملنر لتقصى وضع مصر، لكن يوسف باشا وهبة خالف الإجماع الوطنى وقبل رئاسة الوزراء رغم إرسال البابا كيرلس الخامس وفداً كنسياً يرجوه ألا يقبل الوزارة فى ذلك الوقت العصيب.

وشاعت مقولات بين الوطنيين بضرورة اغتيال يوسف وهبة حتى إن بعض خطباء المساجد استخدموا الآية الكريمة «اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم» للتشجيع على ذلك الفعل. فى ذلك الوقت خشى عريان يوسف أن يقتل أحد المسلمين يوسف وهبة القبطى فتتشوه الحركة الوطنية. وتقدم بطلب لجماعة اليد السوداء لاغتيال رئيس الوزراء وتمت الموافقة وأخذ الطالب قنبلتين وراقب رئيس الوزراء حتى مر أمامه فألقى على سيارته القنبلتين، لكنه رفض الهروب خوفاً من أن يشاع أن المسلمين قتلوا يوسف وهبة القبطى لأسباب دينية. وشاء الله أن ينجو رئيس الوزراء وقبض على عريان ويقف معه ورفض الإبلاغ عن أحد من زملائه وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، ثم أفرج عنه فى وزارة سعد زغلول بعد أربع سنوات مع جميع السجناء السياسيين. وعاش الفدائى القبطى بعد ذلك خمسين عاماً ليصبح أول مدير لمكتب المقاطعة العربية لإسرائيل فى دمشق عام 1957 ثم يتجه للعمل الصناعى ويصبح واحداً من خبرائه حتى وفاته عام 1974.

 

الشهيد المنسى

ولاشك أن قتلة السردار البريطانى كلهم كانوا من أبطال الثورة رغم أن ما فعلوه أضر بمصر كثيراً، لكننا نجد سعد زغلول يقف كثيراً عند واحد منهم ويكتب عنه فى مذكراته الشخصية حزيناً لأن أحداً لم يلتفت له وهو نجار فقير لم تهتم به الصحف ولم يتدافع حوله المحامون للترافع. يقول سعد زغلول فى مذكراته بتاريخ 25 مايو 1925 «محمد فهمى على، واحد من المتهمين فى قضية الاغتيالات السياسية، أظنه نجاراً وقد حكم عليه بالإعدام، ولم يهتم الجمهور بشأنه ولا استشعر بشىء من الأسف لحاله، والتهمة لم تكن سرقة مال ولا انتقاماً شخصياً، بل لغرض سياسى محمود هو إنقاذ الوطن من أيدى غاصبيه».

عندما أدلى نجيب الهلباوى بمعلومات عن قتلة السردار اعترف شفيق منصور المحامى تحت تأثير التعذيب على جميع أفراد خليته ومنهم محمد على فهمى الذى وجهت إليه 15 تهمة من بينها قتل اللورد براون فى فبراير 1922 ثم البكباشى كييف من رجال البوليس البريطاني فى مايو من نفس العام ثم المستر روبسون من كبار موظفى الإنجليز فى ديسمبر من ذلك العام.

وفى 23 أغسطس عام 1925 نفذ حكم الإعدام فى النجار الفقير محمد فهمى على الذى وهب حياته لاستقلال مصر ووقف صامداً صلباً، وتقدم إلى المشنقة بخطى ثابتة وفى يقينه أنه فعل أفضل ما كان يتمنى فعله.

 

نساء فدائيات

ولم تغب المرأة عن العمل السرى فى ثورة 1919، فقصة دولت فهمى تؤكد ذلك. وأصل القصة أن الجهاز السرى أراد إرهاب كل من يقبل الوزارة فى ظل الاحتلال البريطانى ودفعه إلى رفض ذلك، وصدر تكليف بإرهاب وزير يدعى محمد شفيق باشا قبل ثلاث وزارات فى ظل الاحتلال، ونفى زعماء الوفد. وتطوع طالب يدعى عبدالقادر شحاتة لتنفيذ المهمة، وبالفعل ألقى على الوزير قنبلة لإرهابه ونجا الوزير وقبض على الطالب ذى الواحد وعشرين عاماً واعترف، وحاول المحققون معرفة مكان وجوده قبل الحادث بيوم وضغطوا بقوة وخشى قادة الجهاز السرى أن يعترف تحت وطأة التعذيب لأنه كان يبيت فى ذلك اليوم عند أحمد ماهر فى بيته ولو علم البوليس ذلك لانهار الجهاز السرى تماماً.

وتلقى الطالب الفدائى رسالة من الجهاز السرى تدعوه للقول إنه كان يبيت فى اليوم المذكور عند ناظرة مدرسة الهلال السيدة دولت فهمى. وفوجئ عبدالقادر شحاتة بسيدة جميلة تزوره وتقبله وتشهد أنه كان لديها قبل ارتكاب الجريمة وأنه يمتنع عن الكلام خوفاً على سمعتها. وتختفى السيدة الجميلة ويعيش الفدائى الشاب فى السجن على أمل اللقاء بتلك السيدة الفدائية التى ضحت بسمعتها من أجل الثورة ويبقى إلى أن يشاء الله ثم يخرج خلال وزارة سعد باشا زغلول عام 1924 ويبحث عن جميلة الثورة الفدائية. ويسأل كثيرين عنها ولا يجيبه أحد حتى يخبره أعضاء الجهاز السرى أن أهلها علموا بشهادتها فى القضية واصطحبوها معهم إلى المنيا وهناك ذبحوها ليستردوا شرفهم الضائع ويغسلوا عار العائلة. ولم يعلم أشقاء دولت فهمى أنهم قتلوا واحدة من أعظم فدائيات ثورة 1919.

ومنهن أيضاً شفيقة محمد التى ترد قصتها باختصار فى مذكرات هدى هانم شعراوى، حيث تشير إلى أن مظاهرة كبرى للنساء المصريات خرجت يوم 10 أبريل عام 1919 وذهبت إلى مقر المعتمد البريطانى لتهتف مطالبة بالاستقلال التام. وقتها فوجئ المعتمد البريطانى الذى لم يكن يتصور النساء المصريات سوى أشباح خلف البراقع ولا علاقة لهن بشىء سوى بيوتهن وأطفالهن بذلك الحشد اللطيف من النساء يشاركن بقوة وصدق فى التنديد بالاحتلال. لم يصدق الرجل نفسه ووقف غاضباً ساخطاً خائفاً من اتساع الثورة إلى تاء التأنيث المصرية.

كانت أعلام مصر ترفرف بين أيدى رقيقة لمجموعات من النساء المتشحات بالسواد وهن يهتفن بالاستقلال التام. خرج المعتمد البريطانى من دهشته منذراً ومهدداً السيدات الواقفات أمام مقر عمله بالاعتقال والسجن، ولكنهن لم ييأسن وظللن يرفضن العودة إلى منازلهم دون الإفراج عن سعد وزملائه وباقى المعتقلين. ولم تمض لحظات حتى اندلع الرصاص على مظاهرة النسوة فسقطن شهيدات فى سبيل حرية مصر عدة سيدات منهن شفيقة محمد، عائشة عمر، نجية إسماعيل، فهيمة رياض.

وكانت شفيقة محمد 28 سنة هى الشهيدة الأولى للحرية فى مصر، وأحدث نبأ استشهادها موجة من الاستياء والغضب فى العالم المتحضر، ولم تذكر لنا مذكرات هدى هانم شعراوى أى تفاصيل أخرى عن تلك السيدة العظيمة، وعن عائلتها، وعن عملها، وعن تعليمها، وعن أفكارها. لم نعلم عن شفيقة محمد سوى أنها سيدة مصرية أحبت مصر وماتت فى سبيلها، فطوبى للشهداء وسلامٌ على الثوار.

الخبر | اخبار العالم حكايات الأبطال السريين لثورة 1919 - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : الوفد ويخلي موقع الوحدة عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

إخترنا لك

0 تعليق