اخبار العالم أسعار الدواء أقوي من المرض

0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الدواء فى أى دولة بالعالم كالسلاح، ضرورة استراتيجية للأمن القومى، وأى اهتزاز أو نقص به يعرِّض الأمن القومى للخطر شأنه شأن تعريض حياة المرضى للموت، ومنذ سنوات وسوق الدواء فى مصر لا يسر عدوا ولا حبيبا، فاختفاء أنواع مهمة من الأدوية واللجوء الى استيرادها بأسعار جنونية، بجانب تعطيش السوق من أدوية مهمة تتسم بصفة الشعبية لاتساع دائرة تداولها بين مئات الآلاف من المرضى، الى جانب اهتزاز السياسة الدوائية وارتفاع أسعار الدولار مما يرفع أسعار استيراد خامات الدواء من الخارج، واتجاه شركات قطاع الأعمال للأدوية الى الإغلاق بسبب تحجيمها لإنتاج أدوية رخيصة اقل من تكلفة الإنتاج مما عرضها لخسائر بالملايين، كل هذه الأسباب تجمعت لتجعل الرؤية حول السياسة الدوائية غائبة فى مصر، ومما زاد «الطين بلة» هو الارتفاع الجنونى الأخير الذى شهدته أسعار الدواء قبل ايام، والذى وصل فى بعض الأدوية الى 1250% على غرار دواء النقرس والكبد وحمى البحر المتوسط «كولمديتين» الذى قفز سعره من 4 جنيهات الى 50 جنيها.

«الوفد» يفتح القضية، ويناقش أسباب غياب الرؤيا والسياسة الدوائية فى مصر، وأسباب رفع الأسعار، للتوصل الى الحلول أملا فى انقاذ ملايين المرضى الفقراء الذين لم تعد أوضاعهم المالية تسمح بالحصول على الأدوية الأساسية لشفائهم من أمراضهم أو حتى لتخفيف آلامهم، فى وقت تخلت فيه مظلة التأمينات الصحية بسبب أوضاع التقشف عن توفير الأدوية الغالية لهؤلاء المرضى، أو حتى تقديم البدائل لهم.

 

حالة من الاضطراب والدهشة كانت هى المسيطرة على الأطباء الصيادلة الذين تجولت داخل صيدلياتهم فى الدقى، الجيزة، شبرا، المعادى وغيرها من الاحياء بالقاهرة، الرد واحد والسخط واحد «نعم زادت أسعار الأدوية، بعضها زاد بشكل غير معقول ولا يتلاءم أبدا مع قدرات المرضى الفقراء خاصة الأدوية الشائعة، ولا نعرف الحل، مضطرون للبيع بالأسعار الجديدة، وألا تم تعطيش السوق، «هذا هو المضمون الذى أجمع عليه لفيف الصيادلة»، ويؤكد دكتور صيدلى محمد عبدالراضى صاحب صيدلية بالجيزة أن نسب رفع أسعار الدواء هذه المرة جاء فى توقيت غير ملائم، فالبلد يضج من أوضاع اقتصادية سيئة، والفقراء لا يجدون السبيل لتحسين أوضاعهم ومطالبون بالصبر، الجائع يمكنه الصبر على جوعه حتى يفرجها الله، ولكن كيف يصبر المريض على ألمه لأنه لا يجد ثمن الدواء، والله اضطر الى تقديم بعض الأدوية مجانا لوجه الله عندما أجد مريضا معدما، وما باليد حيلة، فقد ارتفع سعر بعض الأدوية من 4 جنيهات الى 50، ومن 10 جنيهات الى 50، بجانب اختفاء أخرى مثل دواء الوهن العضى نيستون فالينت وغيرها، وبالطبع قرار رفع الأسعار لإنقاذ الخسائر الهائلة التى تتكبدها شركات ومصانع الأدوية لبيع الدواء بأسعار أقل من تكلفة الإنتاج.

 

خسائر هائلة

دكتور مؤنس حلمى سكرتير عام نقابة الصيادلة يرجع ارتفاع أسعار الأدوية الى سببين، الأول ارتفاع أسعار المواد الأساسية الخام المستوردة بسبب ارتفاع سعر الدولار، والثانى ارتفاع أسعار الطباعة للعلب والأغلفة الخاصة بالأدوية، ويؤكد انه على الرغم من رفع الأسعار، فهناك العديد من الشركات تتكبد خسائر هائلة فى العديد من أصناف الأدوية وتبيعها بأقل من التكلفة أو دون مكسب، ومن حق هذه الشركات رفع الأسعار وإلا توقفت عن إنتاج هذه الأدوية، وقد حدث هذا بالفعل حين تم التوقف عن إنتاج دواء «كوردانورن» لمرضى القلب لمدة 6 أشهر، وعندما عاد ارتفع سعره من 18 جنيها الى 27 جنيها.

ويرى دكتور مؤنس أن الحل يكمن فى أن يتحمل التأمين الصحى الأدوية الغالية الثمن ويقدمها للمرضى، ولكن للأسف أن التأمين حاليا ليس لديه القدرات والإمكانيات لذلك، ومن هنا ستتواصل عمليات ارتفاع أسعار الدواء كل فترة، لأننا سنسير داخل حلقات متسلسلة، فالشركات مجبرة لإنتاج أدوية لا تحقق فيها مكاسب، ولا يمكنها التوقف وتجويع السوق لحاجتها الى السيولة النقدية حتى لو كانت لا تحقق أرباحا، خاصة إذا علمنا ان هناك ادوية زادت فى سعرها نصف أو ربع جنيه وهذا أمر هزيل لا يذكر.

ويؤكد دكتور مؤنس أن الدولة تحاول قدر الإمكان عدم زيادة أسعار الدواء، وتوافق بصعوبة على طلبات الشركات الراغبة فى زيادة الأسعار، وتأتى موافقتها بعد سنة أو أكثر، مما تضطر الشركات الى التوقف عن انتاج الدواء، وهناك مثلا دواء «لاكتيلوز» لعلاج الإمساك تمت زيادة سعره من 5 الى 12 جنيها، رغم ذلك لا تزال الشركات المنتجة له تخسر فيه لارتفاع تكلفة إنتاجه، فتم التوقف عن إنتاجه واللجوء لاستيراده بأسعار عالية نتيجة رفض الشركات اللجوء الى الخامات البديلة الرديئة لتعويض فارق السعر فى الإنتاج.

 

بلا استراتيجية

لقد أصبح ارتفاع سعر الأدوية فى الفترة الاخيرة كظاهرة نتيجة تراكم سياسات خاطئة لوزارة الصحة للأسف، هذا ما يقوله دكتور على عوف رئيس شعبة الأدوية بالغرف التجارية، فمعروف ان صناعة الدواء صناعة استراتيجية مهمة وأمن قومى بعد صناعة الأسلحة، ودولة دون دواء هى دولة دون سلاح، ومن هنا وجب وجود استراتيجية للدواء، وهذا غير موجود بمصر حتى الآن، على الرغم من توافر الكوادر التى يمكنها صياغة هذه الاستراتنيجية وإرسائها، ولكن الدولة ووزارة الصحة لا تهتم ولا توجد أى إرادة فى هذا الإطار.

ويكشف دكتور على عن كارثة جديدة سيصنعها قرار خاطئ من وزارة الصحة، وهو إلزام شركات الأدوية التى ليس لها مصانع بأن يكون لها مصانع، فهذا سيعنى وجود خمسة آلاف مصنع، كل منها يحتاج الى الدولارات لاستيراد المواد الخام، ويحتاج الى استيراد آليات للتصنيع، فتكلفة أى مصنع لن تقل عن 100 مليون جنيه، وهو أمر لن يتوافر للشركات وستتفاقم المشكلة، وستلحق هذه الشركات بما يحدث فى شركات قطاع الأعمال الخاسرة، خاصة إذا علمنا بأن الشركة القابضة للأدوية تخسر سنويا 230 مليون جنيه سنويا بسبب انخفاض أسعار الأدوية، رغم أن هذه الشركة هى أساس التصدير لكل الدول العربية، لكنها للأسف تتعرض الآن للانهيار بسبب سياسات دوائية خاطئة، بجانب قرار آخر بعمل ما يطلق عليه «تراك ستريس» بعمل «بار كود» أو شفرة لكل دواء يمكن من خلاله تتبع الدواء منذ مرحلة تصنيعه وحتى يصل للمستهلك، وهو أمر جيد لمكافحة الغش الدوائى، ولكن المشكلة أن هذا البرنامج باهظ الثمن، واستيراده لتطبيقه سيمثل عبئا كبيرا على مصانع وشركات الأدوية، والجميع يرفض تطبيقه لأنه سيزيد من تكلفة الإنتاج ويتعارض مع التسعيرة الجبرية للدواء، وهو قرار منذ أيام الإخوان وتم التراجع عنه.

وحل الأمر يكمن فى وجود برنامج بسيط لدى حماية المستهلك أقل تكلفة، وهو برنامج موديل بسيط يمكن من خلاله تحديد الدواء المغشوش، إنها قرارات أخرى خاطئة تأتى من وزارة الصحة دون دراسة او إيجاد الوسائل للتنفيذ، لأن الوزير دائما أكاديمى، وليس له علاقة بصناعة الدواء، لذا مطلوب وزير صحة متخصص فى هذا المجال ولدية دراية، كما ان عدم وجود هيئة قومية للدواء المصرى.

 

حلول ممكنة

ويؤكد دكتور على عوف أن النقص فى انواع من الأدوية ورفع سعر اخرى هو حدوث أعطال بماكينات المصانع وارتفاع تكلفة استيراد قطع الغيار، ووجود عجز فى المواد الخام، وعدم توافر الدولارات بشكل دائم لاستيراد هذه المواد، وتغير أسلوب دفع ثمن المواد، كانت المصانع من قبل تستورد المواد ثم تدفع فيما بعد، أى بعد التصنيع والبيع، الآن تغير الوضع وعليها ان تدفع مقدما، مما يعرضها لمشكلة سيولة لانعدام ثقة الموردين فى الاوضاع الاقتصادية بمصر، ومصر تستورد 95% من مكونات صناعة الأدوية، ومؤخرا ظهر قرار ضرورة تحليل المواد الخام المستورد بالموانئ قبل السماح بدخولها مصر، وهذا القرار زاد من المشكلة، حيث يتم ترك المواد الخام بالميناء فترة طويلة حتى يحين دورها فى الخضوع للتحليل، الأمر الذى قد يؤدى الى تلفها وتغير مواصفاتها، وتكبيد المستوردين خسائر بالملايين.

ويرى أن الحلول تكمن فى تغيير سياسة الصناعة الدوائية فى مصر، وتحريك الأسعار، وأن تتولى الدولة والتأمين الصحى توفير الدواء للمرضى البسطاء، وتتخلى وزارة الصحة عن تعاليها وتتفهم ظروف المرضى، وأن تبادر الشركات الخاصة للأدوية والتى تحقق أرباحا كبيرة مقارنة بشركات قطاع الأعمال، أن تبادر بتقديم ولو نسبة 10% من حجم مبيعاتها مجانا الى التأمين الصحى لمساعدة الدولة، حيث يبلغ حجم مبيعات الأدوية فى مصر 40 مليار جنيه سنويا، ولو افترضنا انه تم تحريك الأسعار لتصل المبيعات الى 50 مليار جنيه، وتم تقديم 5 مليارات من الشركات مساعدة للتأمين، سيحل هذا جزءا كبيرا من المشكلة للمرضى الفقراء.

يختم دكتور على كلامه بالتحذير من وجود مخطط لتدمير صناعة الأدوية فى مصر واحتكارها لصالح 30 مصنعا، من خلال قرار إلزام شركات الأدوية بأن يكون لها مصانع ولا يتم غلقها، وبالتالى سيئودى هذا الى إغلاق 1200 شركة لأنها لن تتمكن من فتح المصانع بسبب هذا القرار التعجيزى.

 

خسائر فادحة

فيما يقول الدكتور هيثم عبدالعزيز عضو نقابة الصيادلة إن عدم وجود هيئة متخصصة للدواء لوضع سياسات دوائية متعلقة بالسعر والتصدير والاستيراد والمراقبة، كل هذا يؤدى الى تفجر مشكلة ارتفاع سعر الدواء بين وقت وآخر، حتى أن شركات قطاع الأعمال المملوكة للدولة تواجه مشاكل كبيرة، فلديها 1200 صنف دواء مسجل، تتكبد فى 600 نوع منه خسائر فادحة، وبالتالى إما تتوقف عن إنتاجها أو تبحث عن البديل يتم استيراده بعشرة أضعاف السعر، وهذه الشركات كانت تنتج 60% من احتياجات السوق، الآن تنتج فقط 4% وحجمها ينكمش لذا يجب تحريك أسعار الدواء لضمان مكاسب للشركات، فليس من المعقول أن يتم فى وقتنا هذا إنتاج دواء وبيعه بخمسة جنيهات.

ويشير الدكتور هيثم الى نقطة خطيرة، وهى لجوء المستهلك الى شراء الأدوية الغالية، اعتقادا منه أنها أكثر جودة وفعالية، فى حين أن المواد الخام الداخلة فى الأدوية الغالية نفسها فى الأدوية الرخيصة، ومن هنا يجب تغيير ثقافة المواطنين فى أن الدواء الأغلى أفضل، وأن يبحث المواطن عن الاسم العلمى للدواء، لأنه بصفة عامة الدواء المصرح به من وزارة الصحة لا يمكن غشه ووضع خامات رديئة به من منطلق دراسات التكافؤ الحيوي والتى تجرى على الأدوية، لذا يجب نشر الوعى لدى المواطنين فى هذا الإطار، فالإقبال على شراء الدواء الرخيص سيؤدى الى تنافس الشركات لخفض الأسعار بصفة عامة.

وينهى دكتور هيثم كلامه بقوله إن مصر تحتاج بقوة الى سياسة تسعيرية جيدة يضعها متخصصون من خلال هيئة مصرية للدواء، وأن تسعى مصر الى امتلاك صناعة المواد الخام، فلو تم هذا سيتم ضمان الأمن القومى فى قطاع الدواء وتمت السيطرة على الأسعار وفى كميات انتاج الدواء.

 

تبريرات رسمية

وبالرجوع الى وزارة الصحة للاستفسار عن الحلول التى يمكن أن تضعها الدولة لحل مشكلة ارتفاع أسعار الدواء، وجدت أننى أدور فى دائرة مفرغة لرفض المسئولين الإدلاء بأى تصريح التزاما بتعليمات وزير الصحة بعدم الادلاء بتصريحات الا بعد الرجوع اليه، وتطوع أحد المسئولين طالبا عدم ذكر اسمه بالتأكيد على أن وزارة الصحة فى حيرة من أمرها، وأنها اضطرت لرفع الأسعار مؤخرا لإنقاذ جانب من شركات قطاع الأعمال التى ستتوقف بسبب خسائرها إنتاج بعض الأدوية أقل من سعر البيع أو معادل له تقريب، وأكد أن قرار وزير الصحة بتحويل شركات الأدوية الى مصانع إنما محاولة لإنقاذ الموقف، لإحداث نوع من التنافس الإيجابى بين المصانع، وهذا التنافس سيكون فى صالح المستهلك، مشيرا الى أن البعض يرفض هذا القرار، ولكنه أحد الحلول لتخفيف حجم المشكلة، مؤكدا أن وزارة الصحة تعانى من موازنة لا تمكنها من توفير الاحتياجات الكاملة من استيراد المواد الخام لصناعة الأدوية بأسعار رخيصة وإن ارتفاع سعر الدولار فى الفترة الأخيرة أثر سلبا على أسعار صناعة الدواء فى مصر.

وأيا كانت الأسباب والعلل التى تطرحها وزارة الصحة، فإن صناعة الدواء فى مصر وتوفير الأدوية بأسعار مقبولة فى متناول المرضى من كل الفئات هى قضية أمن قومى، ويجب التعامل معها بسرعة وبحكمة وبرحمة.

 

أرقام ومعلومات

40 مليار جنيه حجم مبيعات الأدوية فى مصر.

230 مليون جنيه خسائر الشركة القابضة للأدوية سنويا.

250% بلغت نسبة الزيادة فى بعض أسعار الأدوية مؤخرا.

1200 شركة مطالبة بفتح مصانع أدوية خاصة بها.

100 مليون جنيه تكلفة إنشاء أى مصنع جديد للأدوية.

انخفضت قدرات شركات قطاع الأعمال لتغطية احتياجات السوق من 4% الى 60%.

الخبر | اخبار العالم أسعار الدواء أقوي من المرض - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : الوفد ويخلي موقع الوحدة عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

إخترنا لك

0 تعليق