اخبار مصر الان عمر الشريف بين "بداية ونهاية" و"الحرب في بر مصر"

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

رواية "بداية ونهاية" هي واحدة من أهم الروايات الواقعية التي كتبها نجيب محفوظ في المرحلة الأولى، وكانت تؤرخ لبعض أوضاع المجتمع المصري عند الطبقة الوسطى التي فقدت عائلها، وقصة هؤلاء الإخوة الذين ضحت الأخت من أجلهم مع تفاوت أوضاعهم الثقافية والمعرفية وبالتالي اختلاف رد فعلهم كذلك بين الإيجابي والسلبي قد يجعل الرواية قابلة للقراءة الرمزية وأنها كانت ترمز إلى كل فئات المجتمع المصري، وشخصية حسنين الضابط التي جسدها الفنان القدير الراحل عمر الشريف شخصية مركبة تكاد تكون الأصعب في العمل كله لأنه هو صاحب النفوذ والقوة في الأسرة بعد تحوله من قمة اليأس والفقر، فهو المنقسم بين طبقتين والمتوزع بين قيم هاتين الطبقتين أو مسئولياتهما المختلفة أو التي تبدو متعارضة ولو ظاهريا، وهو في الوقت نفسه المستفيد من بقية أفراد الأسرة، والشخصية لها أبعاد نفسية في غاية الدقة ولا تقاربها في الأهمية إلا شخصية نفسية الأخت نموذج الضحية المنسحقة، وكانت أكبر الخاسرين في رمزية لأثر الحرب العالمية على المجتمع المصري في مجتمع ليس له هوية اجتماعية واضحة تمنحه الاستقرار في عهد الملكية وتسبب ذلك في صنع لحظة تحول عند حسنين بوجع فقد الأخت ليثور على الأوضاع كلها بعد ذلك وهو ما تجسد في 23 يوليو 52 ولكن ذلك لم يكن من أحداث الرواية. 

شخصية العمدة في رواية "الحرب في بر مصر" للأديب الكبير يوسف القعيد والتي أداها عمر الشريف في فيلم "المواطن مصري" تجسد هي الأخرى فئة لها دور سلبي خطير في المجتمعات في أوقات الحروب والحقيقة أنها رواية مهمة لأنها نادرة في موضوعها الذي جسد الانتهازيين وفئة الهاربين من المسئولية الوطنية. أهمية هذه الرواية في الحقيقة وبالتالي الفيلم تتمثل في شعرية المفارقة عن هذا التباين في الموقف الإنساني من الحرب، وشجن هذه المفارقة وما توحي وتهمس به من الأسئلة العميقة والمصيرية، وكل ذلك في إطار بنية درامية وحال من الصراع بعيدا عن النزعة الخطابية المباشرة، فعالم الرواية هو الذي يهمس للمتلقين من وراء ستار برسالته وفكرته وأسئلته، فالقيمة الدلالية هنا تحتاج إلى جهد من المتلقي وغير مباشرة، وهو الأمر نفسه المتحقق في رواية "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ، ليكون هذان العملان من أكثر أعمال عمر الشريف التي تحتاج إلى جهد تأويلي وإعادة عرض ومشاهدة ويرشحان للبقاء طويلا في ذاكرة الفن. هنا ثمة ارتباط بين عملي محفوظ والقعيد يؤكد انتماءهما لهذه المدرسة الراسخة في الأدب العالمي الإنساني المنشغل عفويا برصد أثر الحرب على البشر والتكوينات الاجتماعية وما ينجم عنها من سحق لبعض القيم حتى في حالات الانتصار، هنا يتم التعامل مع الحرب ليس بوصفها صراعا سطحيا أو تجليا أخيرا للخلاف بين فئتين نكون فيه مشغولين بمن أنتصر أو انهزم، بل بوصفها ردة إنسانية وسياقا خاصا وزواية إدراك خاصة وربما مثالية تكشف وتصور الوضعيات الاجتماعية والإنسانية في أعمق حالاتها وأكثرها صدقا ووضوحا أو قربا من الحقيقة، فالمجتمعات لها صور عديدة تتفاوت بين المزيف والحقيقي، والأدب الأكثر أهمية هو ذاك الذي يغوص نحو الطبقات الخفية أو المطمورة في الأعماق ولا ينشغل كثيرا بالظاهر المتغير. نموذج التضحية والظلم بمعناه المطلق والتوحش الإنساني حاضر في الروايتين ولكن بكيفيات مختلفة وتجليات مغايرة وعبر بنية حكائية وعوالم مختلفة، والنهاية المفتوحة على أكبر كم من التساؤل هي كذلك مكون مشترك بين هذين العملين الفذين، ولذلك أراهما العملين الأهم في مسيرة عمر الشريف من وجهة نظري الشخصية.

---------------------------------------------------
مصدر الخبر الاصلي موقع : البوابة نيوز

0 تعليق