اخبار اليوم : هواتف ذكية أم كلاشينكوف؟

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

موقع الوحدة الاخباري نقدم لكم اخر المستجدات على الساحة العربية والعالمية واخر الاخبار لحظة وقوعها اخر الاخبار الرياضية والعربية والعالمية والاخبار المنوعة كما ونقدم لكم حصادنا الاخباري لجميع الدول العربية

جلس بمحاذاتي في مقهاه المعهود، شمّر عن ساعديه، حمل هاتفه الذكي، صاحَ على النادل أن يأتيه بقهوة سمراء كلون بشرته، أشعل سيجارة من النوع الثمين، وتنهد كأنه سيلج حرباً.
فكر مليا، كأنه يستنزل الإلهام، فقط ليكتب جملة، لا يفرق فيها بين النكرة والمعرفة كالعادة. ولأني ألفيت في محياه حماسة المحارب، سألته: أي المواقع تتصفح على النت؟
بدا أنه لم يستوعب مرمى السؤال، دهشة ارتسمت في عينيه، انطفأت الحماسة. تضاعف يقيني أن محدثي يرزح تحت وطأة الانفعال، قلت: ماذا تفعل بهاتفك؟ أتى الرد صادما: إنني أعلنها حربا ضد الفساد.
على ناصية المقهى من الجهة الخلفية، يجلس الدكتور وحيد منعزلا برفقة حاسوبه. انصرفت عن جليسي، لأصافح صديقا، فشدّ انتباهي انشغال وحيد بقراءة كتاب إلكتروني في الطب، لعل عنوانه، إن لم تخني الذاكرة "أسرار جراحة المفاصل"، بلغة موليير.
قفلت إلى مكاني، لعلي أظفر من جليسي بعبارة تشبع فضولي. بادرته بالسؤال: غريب أمر الدكتور وحيد، وحده الله يعلم سر انزوائه صحبة الحاسوب؟
أجاب متلعثما: لا غرابة في انطوائه. هو كتوم ويختار الامتناع عن التصويت في الانتخابات. وشخصيا لا أستسيغه.
تفحصت شاشة هاتفه بنظرة سريعة، فوجدته يصافح مارك، ويخبره بكل ما يروج في المدينة من أصغر الأمور إلى أكبرها، يطبخ شائعاتٍ على نار التفاهة، يرشّها بتوابل الكذب، عسى أن تهيج رائحتها شهية المتلهفين. فهذه سهام ابنة النجار تبدي إعجابها بالمنشور، وهذا محمد نجل رئيس الجماعة القروية وصديقه مراد التاجر يرتجلان عبارات الثناء.
تجرفني النوستالجيا إلى سنوات خلت. أتذكر دروساً استثنائية، تلقيتها على يد نخبة من الخبراء المتبحرين في عالم التشبيك و"الإعلام الجديد". من قرارة نفسي، يتصاعد السؤال جارحا: هل كنّا على صواب أم على خطأ حتى تمكّن هؤلاء من التقنية اليوم؟ هل الهواتف الذكية وسيلة للتواصل، كما تعلمنا، أم أنّها "كلاشينكوف" منحتها حداثة العالم المعاصر للجهلة، كي يمارسوا أبشع أنواع التخريب في حق أوطانهم، كي يعلنوها حرباً بالوكالة، تحرّكها أيدي مخابرات خارجية، جعلت من التقنية مطية لتتجسّس علينا بصفر درهم، بل والأخطر من ذلك أن توجهنا كالقطيع.
عائداً من متاهات الذكرى والسؤال، استفسرت جليس المقهى: هل أنت على وعي بما تنشر؟ وهل تستشعر حضور من تنشر من أجله؟
لم يدخر جهداً في ارتجال الرد بنبرة التعصب: إنّني أفضح الفساد الذي سكتّم عليه أنتم الصحافيون.
لم أتمالك نفسي، فباغتّه بالسؤال: ماذا تعني بالفساد؟ وهل هو قابل للقياس؟ وهل تبني كلامك على فرضياتٍ بحثية قابلة للإثبات، من خلال أدلة ملموسة، أم أنها عواطف بعضهم وخبث بعض آخر تحرّكك؟
كنت على يقين راسخ أنّه لن يجيب. وحدها جلسة المقهى هذه كشفت مراميه. لعلّ صاحبنا ضحية خلافات بين بارونات السياسة الوسخة في المنطقة. ليس أكثر من أداة تحرّكها يد عابثة دفعته إلى متاهات مارك ودهاليزه المظلمة.
مرتدياً قناع المحارب الدونكيشوتي، يبحث جليسي عن قوت يومه، وعن ثمن علبة سيجارته الرفيعة، رافعا سيف تخليص الوطن من كتائب الفساد، متوهماً أو مصدقاً، أنه يحرّرنا من لصوصٍ يسرقون قوت الضعفاء والمستضعفين، غافلاً أن ما يقع هو تحصيل حاصل، وأنّ سيادة الفكر الهدام هي سبب التقهقر، وأنّ للفساد صنمين كبيرين: الجهل والغرور، متجاهلا أنّ وراء غشاوة الظلام نور لا يريد أنصار البشاعة رؤيته، مسعاهم من ذلك أن يشملنا الشك في النهوض وصناعة التاريخ.
انهمر الدمع من العين، تذكرت ميدان التحرير في القاهرة، تذكرت خطواتي هناك، خنقني الحنين إلى رفاق لي في الميادين، من تونس ومصر وليبيا وسورية، بعضهم وجد نفسه في السجن، وبعضهم الآخر باع نفسه للغرب، يطالعنا، بابتسامة متكلفة كل مساء، على شاشة قناة ليعبث بحرمة أوطاننا ويكيل لها كل أشكال الاتهامات.
اعتراني إحساس فظيع، أن أكون أداة أضحت بها الهواتف الذكية كالكلاشينكوف. تتصاعد نار السؤال: هل ما وقع، ويقع، في بلداننا حرية أم ألسنة لهب مرصودة؟ هل من يتطوع بنشر "المباشر" يسعى إلى تقريبنا من الحقيقة الحيّة، أم يرمي إلى تقديمنا قرابين حية؟ أليست هذه السلوكات تمهيدا غير واع لمجيء التتر الجدد، لنهب خيراتنا في أبشع صور الاستغلال والاستعمار الجديد؟
غاية الكلام، أن تكون ميسرا أمر جميل، وأن تكون حقوقيا أمر أجمل، وأن تكون ناشطا مجتمعيا تتطوع لفعل الخير غاية الجمال. لكن أن تقضي سحابة يومك في المقهى لا تفعل شيئا سوى التعريض بالخلق بدون سند واقعي، أو انتقاد الدولة والحاكم، بدون رؤية تؤسس لبديل، فهذا جرم بعيد عن الفعل النضالي الشريف. فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
المواطنة حقوق والتزامات، فلا يعقل أن نلعن واقعنا، ونحن سبب ويلاته، من أعلى قمة المسؤولية إلى قاعدة الهرم، لا أحد يقوم بدوره على أحسن وجه، والكل ينتقد. وكما قال الشاعر نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا.
مجد الأمم يُبني بالعمل والعطاء والقيام صباحا للبناء قبل التهديم، والقضاء على كل أشكال الجهل والأمية، ولنفخر، حينئذ، بمجتمع يقوم على التعاون والعيش المشترك، لبناء الحداثة في مفهومها الشامل بمنظور شرقي جميل.

موقع الوحدة الاخباري نقدم لكم اخر المستجدات على الساحة العربية والعالمية واخر الاخبار لحظة وقوعها اخر الاخبار الرياضية والعربية والعالمية والاخبار المنوعة كما ونقدم لكم حصادنا الاخباري لجميع الدول العربية

الخبر | اخبار اليوم : هواتف ذكية أم كلاشينكوف؟ - يمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي وهو : العربى الجديد ويخلي موقع الوحدة عن مسؤوليته الكاملة عن محتوي اي خبر وانما تقع المسؤولية على الناشر الاصلي للخبر.

أخبار ذات صلة

0 تعليق