اخر الاخبار - يوميات الوباء: مع دنى غالي

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تقف هذه الزاوية مع الكتّاب العرب في قراءاتهم أثناء فترة الوباء، وما يودّون مشاركته مع القرّاء في زمن العزلة الإجبارية.


لا يسكنني الخوف البتة، لا أبالغ بالتعقيم، أتّبع التعليمات حرفياً لقاء تركي وشأني، تلتقط عيني الإيجابي الذي انبثقَ فجأة من روح البشر. ليس بالضرورة أن يكون هناك من معنى في ما نواجهه. لا أراه عقاباً من الله، ولا انتقاماً من أُمّنا الطبيعة، ولا هي بالضرورة النهاية الحتمية للنظام الرأسمالي في الغرب.

الفداحة أقرب إلى الشهقة في الوقت الذي يمرّ من دون رؤية واحتضان ولَمْسِ وشم من نحبّهم، الذين قد تفصلنا عنهم مسافة لا تتجاوز العشر دقائق. مقاومتي مقاومة الإيطاليين في هذه المحنة!

بداخلي لصّة تراودها رغبات أخرى، تفكّر في سرقات أخرى وخوض مغامرات أخرى، طالما العملي والعقلاني، شأن الموظفين الحكوميين، في شبه إجازة. بداخلي لصّة تودّ أن تسرح وتمرح طالما أجهزة الإنذار معطّلة وقد أُحيل الحرسُ جميعهم لحماية المستشفيات ومعاهد البحوث ومبنى البرلمان. بداخلي لصّة، تدور وهي في مكانها تسرق المُهْمَلَ حالياً من الجيوب وحقائب السيدات والمعروض من بضاعةٍ كاسدة خارج المحلات على الرصيف، ولا استثناء لبقايا الكحل في العيون المغسولة المتعبة. يدٌ خفيفة مدرّبة، تكبس على الأحرف حتى أثناء الطهي والاستحمام. بداخلي لصّة تتسلل إلى داخل أرشيف المسرح الملكي للأزياء، بحثاً عن طقم الفالكوريا برونهيلدا! لا تأبه وهي تنزل لتخالط البشر على كوكب الأرض، ما دام الدرع قد انغرز في لحمها، والقلب امتلأ حبّاً!

"
للكاتب مساراته الخاصة ومخلوقاته العجيبة وحتى أعراسه وسط ما يجري
"

ابتهال وتضرّع من أجل أن يتغيّر هذا الوقت الذي يستعبدنا. طرأتْ الفكرة أثناء العجن حين قررتُ فجأة عمل فطائر أولاً، ومن ثم حين بدَت لي تلك الفطائر لأول مرة في غاية التناسق شكلاً وسُمكاً!

ما الأجدى عليّ فعله في كلّ هذا المتوفر من الوقت فجأة، يبدو وكأنه يكفي للبحث في سرّ السلاحف المعمّرة من زمن الديناصورات حتى يومنا هذا، في اللحظة الثانية أجد أن من العبث والجلد للذات أن أطرح على نفسي السؤال بهذه الصيغة التي توقظ الهلع، فنحن لا نعرف ما الذي سيكون عليه يوم غد! مقفولٌ علينا في الحاضر، الأمس بعيد والضرورة أمام القادم المجهول انتفت بشأن التفكير بمعنى ما نفعله والهدف منه. قد أسلك سلوكاً نَزِقاً في نبذ الحذر، وقد أضيق بكل ما هو موجود على القصاصات من وضع خطط عمل وديدلاين لترجمات وساعات رياضة، قد يجد القلق له ثغرة ليتسلل ويتمكن من إلغاء خانة الخزين الاحتياطي لللايقين، فألقي بالكتاب الذي أنا بصدد قراءته، وأنتقل إلى غيره، ثم يحل النتفليكس، ثم خبر عاجل ليدخل مؤتمر رئيسة الوزراء على الخطّ لطرح ما استجدّ من إجراءات وفجأة أجدني أمام الشاشة وقد تلبّستني الجدية واستعدتُ بعض القدرة على التركيز.

الإجماع على التحذير من العزلة وطرق كسرها افتراضياً مادة مدرسية برأيي، استثمارٌ بليد لتوفير بضاعة مفقودة. للكاتب مسارا البساطة والتعقيد، مَسْكُ المجد من أطرافه، وله روزنامته الخاصة، ومخلوقاته العجيبة، وحتى أعراسه وسط كل ذلك، مُنبثقة من الرغبة في أعماق أعماقه في إطالة عمر هذا الكون، والصلاة من القلب من أجل سلامته.


* كاتبة ومترجمة عراقية مقيمة في كوبنهاغن

اقــرأ أيضاً

---------------------------------------------------
مصدر الخبر الاصلي موقع : العربي الجديد

أخبار ذات صلة

0 تعليق