اخر الاخبار اليوم - هذه خطة الجزائر لتخليص اقتصادها من "المرض الهولندي"

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

جراد ووزيران في حكومته

البلاد.نت -  بمناسبة نشر مخطط الإنعاش الاقتصادي 2020-2024، تحدث الوزير الأول عبد العزيز جراد في كلمة مطوّلة عن الإجراءات التي يتضمنها المخطط لتخليص الاقتصاد الجزائري من "المرض الهولندي" الذي جعل البلاد تعتمد بشكل كبير في تشكيل مداخيلها على صادرات النفط.

وقال جراد في كلمته إن "تراكمات الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل تتطلب الخروج من هذه الوضعية، بالشروع الفوري في تنفيذ المخطط الطموح للإنعاش الاقتصادي، وفق برنامج رئيس الجمهورية، والذي يمتد على المدى القصير جدا الى غاية عام 2020، وعلى المدى القصير حتى عام 2021، وعلى المدى المتوسط حتى نهاية عام 2024 ".

النص الكامل لكلمة جراد: 

"لقد تمكنت الجزائر بفضل مواردها من الـمحروقات والنفط والغاز الطبيعي، من ضمان مستوى معين من التنمية الاقتصادية، ولا سيما من خلال تطوير العديد من البنى التحتية، وتكريس دولة اجتماعية تضمن خصوصا مجانية التعليم والرعاية الصحية للجميع.

إن قطاع المحروقات يحتل مكانة مركزية في اقتصادنا، حيث يوفر أكثر من 90% من الصادرات ويمثل ما يقارب 40% من إيرادات الدولة. ومع ذلك، فإن ما يشكل قوته شكل أيضا أكبر نقاط ضعفه.

فالاقتصاد الجزائري لا يزال في الواقع يعتمد بشكل كبير على الأسعار الدولية للنفط والغاز التي شهدت اتجاهاً تنازلياً منذ صدمة 2014.

وقد أدى صندوق ضبط الإيرادات (FRR) دوره بالفعل من خلال التخفيف جزئياً من انخفاض الاحتياطيات حيث تم استهلاكه بالكامل ابتداء من سنة 2017.

جراد: الجزائر لم تكن في منأى عن ظاهرة "المرض الهولندي"

من جهة أخرى، لم تكن الجزائر في منأى عن ظاهرة "الـمرض الهولندي" الذي يربط ركود الصناعات التحويلية بتنمية الصادرات من الـموارد الطبيعية.

وفي الجزائر، أدى الثقل الساحق لقطاع الـمحروقات إلى الحيلولة دون أي تنويع للاقتصاد، وتفضيل الواردات على الصادرات (خارج المحروقات) والحد في نهاية الـمطاف من وزن القطاع الصناعي  ليبلغ من  6 إلى 7% فقط من الناتج المحلي الخام.

 إن اقتصادنا يشهد بشكل عام، إنتاجية منخفضة لوسائل الإنتاج ويعاني بشكل خاص من البطء الإداري، وكذا نقائص في مجال التسيير، وصعوبات في الحصول على التمويل، بل وحتى غياب رؤية قطاعية مشتركة متناسقة طويلة الـمدى، والتي يمكن أن توجه وتشرف على تنفيذ السياسات العمومية.

وعلى صعيد أخر، تعرض الاقتصاد الجزائري لاختبار قاس خلال السنتين الماضيتين: في سنة 2019 بسبب الأزمة السياسية التي مرت بها البلاد، وفي سنة 2020 بسبب أزمة كوفيد ــ19. ومع ذلك ، فإن هذه الصعوبات تشكل أيضًا فرصًا يجب اغتنامها لـمباشرة إصلاحات اقتصادية كبرى والاستفادة من إعادة هيكلة سلاسل القيم العالمية.

وعلى ضوء ما سبق، سيتعين على الجزائر مواجهة العديد من التحديات الهامة، بما في ذلك التنويع الاقتصادي وتحسين مناخ الاستثمار، والتفكير في السبل والوسائل للقيام، في أحسن الآجال،  بوضع عملية التنمية الاقتصادية الوطنية الـمرنة والشاملة والـموحدة، في  الـمسار الصحيح.

وفي هذا السياق، باتت إشكالية تعبئة الـموارد الـمالية اللازمة لتطوير البنى التحتية العمومية واستثمارات الـمؤسسات الاقتصادية تزيد حدتها أكثر فأكثر بسبب استمرار الانخفاض الحاد لـموارد الـمحروقات وتداعيات الأزمة الصحية على الأنشطة الاقتصادية.

ولـمجابهة هذا الوضع، ينبغي على السلطات العمومية إيجاد الحلول اللازمة لتوسيع وتنويع مصادر التمويل من خلال نشر القدرات اللازمة والصيغ الـمناسبة لإعادة بناء أواصر الثقة، ولاسيما مع الـمجال غير الرسمي الأنسب لإعادة الاندماج في مسار الشمولية الـمالية والاقتصادية.

الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتمويل مشاريع البنية التحتية

كما يجدر  تنويع مصادر التمويل، لاسيما فيما يخص البنى التحتية، من أجل تخصيص موارد الميزانية المحدودة للحالات التي لا يوجد فيها بديل آخر. ويجب تفضيل الـمسعى القائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، التي تمثل إمكانات واعدة، في تمويل البنى التحتية والـمرافق العمومية.

كما ستمكّن الشراكة بين القطاعين العام والخاص فضلا عن إمكانيات حشد التمويل، من الاستفادة من قدرات الابتكار والـمهارات في التصميم والإنجاز والاستغلال والصيانة المثلى للبنى التحتية العمومية.

إن إصلاح وعصرنة النظام المصرفي والمالي هو حجر الزاوية لنجاح كل إصلاح اقتصادي. فإنه يشكل، بالإضافة إلى تحسين مناخ الاستثمار الذي هو جزء منه، أم كل الإصلاحات، كما توجد ضرورة لتحسين مناخ الأعمال من خلال تبسيط إجراءات إنشاء الـمؤسسات التي تعتبر تكاليفه وآجاله كبيرة للغاية، فضلا عن تحسين الولوج إلى العقار والقروض والخدمات العمومية ذات الجودة.

و لا يمكن أيضا استبعاد الإدارة من هذا الـمسار، حيث يجب أن تأخذ على عاتقها عملية العصرنة ومحاربة الممارسات البيروقراطية، وذلك بفضل الإمكانيات التي توفرها التكنولوجيا الرقمية.

إن التعقيد الـمتزايد للعالم وسرعة التحولات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية، يدعونا إلى إعداد سياستنا الإنمائية بكل دقة من أجل الحد من مخاطر الوقوع في الأخطاء، وتعزيز التنفيذ الفعال، وإضفاء مرونة كبيرة في التعديلات الضرورية.

وبالتالي، يعد مخطط الإنعاش الاقتصادي هذا ضرورة قصوى لمواجهة جميع التحديات الاجتماعية والاقتصادية في السنوات القادمة. وبهذا الصدّد، حدّد السيد رئيس الجمهورية الخطوط الرئيسية لـمخطط الانعاش الاقتصادي، وكذا الإطار الشامل والـمدمج الذي من شأنه توجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية القائمة أساسًا على تكافؤ الفرص للجميع.

يجب أن يعتمد مخطط الإنعاش هذا على إدماج متناسق لجميع جوانب الإصلاحات، سواء كانت إصلاحات اقتصادية كلية أو اقتصادية جزئية أو تنظيمية أو حتى مؤسسية. على أن تشمل هذه الإصلاحات آليات استباقية وفعالة للتعامل مع أي آثار جانبية قد تنجم عن هذه التدابير، ولاسيما على القدرة الشرائية للمواطنين.

يجب أن يقوم مخطط الإنعاش أساسًا على مايلي:

-    تعزيز دولة القانون (سيادة القانون) ،
-    تعزيز المؤسسات (تعزيز قدرات الدولة)،
-    تكريس تكافؤ الفرص (العدالة الاجتماعية)،
-    المشاركة في إعداد السياسات (الشمولية)،
-    الاستدامة الـمالية للمشاريع والبرامج و / أو الإصلاحات،
-    تحسين مستوى التعليم (تحسين رأس الـمال البشري) ،
-    تعزيز دور القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.

ومع ذلك، فإن تجسيد هذه الـمقاربة الاقتصادية الجديدة يظل يعتمد على تحرير جميع المبادرات من القيود البيروقراطية من خلال الرقمنة وتطهير تراكمات الـماضي، مع ضمان استقرار إطارنا التشريعي.

في هذا السياق ، توجه الحكومة عملها نحو الجوانب الآتية:

-    تنويع اقتصادنا،
-    التحكم في تأطير تجارتنا الخارجية،
-    تثمين الموارد الطبيعية، ولاسيما الإمكانات الـمنجمية،
-    استبدال المنتجات المستوردة بمنتجات مصنعة محليًا،
-    ترقية نسيج المؤسسات الوطنية، ولاسيما الـمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والـمؤسسات الصغرى،
-    تثمين طاقاتنا البشرية الإبداعية والمبتكرة، وخاصة تلك الـمقيمة في الخارج،
-    مراجعة المادة 49/51،
-    إلغاء حق الشفعة واستبداله بالترخيص الـمسبق من الحكومة؛
-    إلغاء الالتزام باللجوء إلى التمويل المحلي بالنسبة للاستثمارات الأجنبية،
-    إلغاء النظام التفضيلي في مجال استيراد مجموعات SKD / CKD،
-    استكمال النظام البيئي اللازم لتطوير الـمؤسسات الناشئة واقتصاد المعرفة.

أما فيما يخص الـمجال الضريبي، فقد سلطت الحكومة الضوء على مختلف الإصلاحات التي يتعين تنفيذها، مثل إعادة تأهيل الخدمة العمومية، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتعبئة الموارد ورقمنة إدارة الضرائب. حيث سيسمح ذلك بمكافحة التهرب الضريبي بشكل فعال.

علاوة على ذلك، تكتسي مسألة العقار الصناعي أحد القيود الرئيسية التي تعيق عمل المستثمرين وتعرقل ترشيد الانتشار الإقليمي للتنمية الصناعية.

وسعًيا لتعزيز تنويع الاقتصاد، الذي يعد الهدف الرئيسي لـمخطط الإنعاش الاقتصادي، وضعت الحكومة إطارًا تنظيميًا جديدًا يهدف إلى:

-    تسجيل مرحلة جديدة للصناعة التركيبية من خلال تحديد الـمزايا التي يجب منحها لتحقيق معدل إدماج أعلى؛
-    إرساء قواعد الـمناولة من أجل ضمان تطوير الإدماج الوطني من خلال التدابير التحفيزية لفائدة الـمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والصناعات الصغيرة والمتوسطة؛
-    التكفل بصفة حقيقية وفعالة بمسألة الاستثمار من خلال ضمان الشفافية؛
-    وضع آلية من شأنها مساعدة المستثمرين على اقتناء وحدات إنتاج متوقفة في الخارج والاستفادة من الفرص المتاحة لتلبية احتياجاتنا من حيث العتاد.
-    محاربة البيروقراطية بكافة أشكالها وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، بشكل حقيقي وفعال ومستمر.

كما يجب علينا تسريع عملية الإنتقال الطاقوي والتحول البيئي، لاسيما في جانبها الصناعي، فضلاً عن رقمنة الاقتصاد التي ستتيح لنا تحقيق قفزة كبيرة في مجال الإنتاجية. حيث يمكن أن يكون هذان القطاعان الركيزة الأساسية من أجل تحقيق انعاشنا الاقتصادي،  إذ سيشهد هذان المجالان ابتكارات كبرى ومن الـمرجح أن يدفعا بالنمو العالـمي خلال العقود القادمة.

وينبغي أيضًا إيلاء اهتمام خاص للتنمية الفلاحية والريفية والصناعات الغذائية الزراعية، وتثمين مواردنا الصيدية من أجل تعزيز أمننا الغذائي. والأمر كذلك بالنسبة للصناعة الصيدلانية التي تسمح بضمان الأمن الصحي وضمان تلبية احتياجات مواطنينا من الأدوية الأساسية ذات الجودة والآمنة والفعالة.

فضلا عن ذلك، يجب أن يحافظ مخطط الإنعاش هذا على الطابع الاجتماعي للدولة من أجل تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية للمواطن، ولاسيما الفئات الأكثر هشاشة. كما سيسمح بتعزيز الأمن الطاقوي والغذئي للبلاد من أجل الحفاظ على سيادتها الوطنية، وضمان السيادة من حيث الخيارات الاقتصادية بما يخدم المصلحة الـمثلى للبلاد.

وأخيراً، سيضمن تنمية اقتصادية شاملة ومتوازنة على مستوى جميع مناطق البلاد من أجل الحد من الفروقات الجهوية والتهميش الذي عانت منه بعض الـمناطق.

وبهذا الصدّد، من الضروري التأكيد على أن الـمسائل الاقتصادية والاجتماعية، وترقية الحكم الراشد، والتوازن المالي لنظام الحماية الاجتماعية وعصرنة الخدمة العمومية لا يمكن ترجمتها أو مناقشتها أو التفاوض بشأنها إلا في إطار حوار اجتماعي صريح و مسؤول مع كافة الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين. الذين هم مقتنعون بأن المناخ الاجتماعي الهادئ وحده كفيل بأنيمكن بلادنا من عبور الـمراحل الضرورية لتطورها وعصرنتها.

إننا نعيش في عالم يشهد الاختراعات والتطورات الواحدة تلو الأخرى في مجالات رائدة مثل تكنولوجيا المعلومات وعلوم الحياة والتصنيع الذكي والطاقة المتجددة، وعلينا أن نتحرك بشكل استباقي للتأقلم مع الـموجة الـمندفعة للثورة العلمية والرقمية والتحول الصناعي، وأن نستكشف محركات نمو جديدة ومسارات تنمية مبتكرة وأن نتعامل بشكل صحيح مع كل هذه التحديات حتى نلحق بركب الأمم الـمتطورة.

إن تراكمات الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل تحتم علينا الخروج من هذا الوضع بمباشرة تنفيذ مخطط الإنعاش الاقتصادي الطموح بدون تأخير، وفق رزنامة زمنية حددها لنا السيد رئيس الجمهورية وتمتد على الـمدى القصير جدًا بنهاية سنة 2020، والـمدى القصير بنهاية سنة 2021، والـمدى الـمتوسط بنهاية سنة 2024.

إن التغيرات التي نواجهها لا مثيل لها. ولكن التغيرات تخلق فرصًا يجب علينا اغتنامها. نحن الآن في مفترق طرق و علينا اختيار أي طريق يتعين علينا أخذه. فمستقبل البلاد يعتمد على خياراتنا وعلى عزيمتنا لتحقيقها".

 

---------------------------------------------------
مصدر الخبر الاصلي موقع : جريدة البلاد

0 تعليق