اخبار مصر اليوم مباشر الأربعاء 24 يونيو 2020 محمد سلماوي.. بصمة فى الثقافة المصرية (بروفايل)

0 تعليق 10 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار


إن سيرة محمد سلماوى التى أبرز بعض مباهجها منذ عامين فى الجزء الأول منها، أضاءت جوانب كانت خفية علينا تماماً، فنحن نعرف أنه على أدبه وتواضعه ميسور الحال منذ نشأته، لكننا كنا نجهل أنه من أسرة إقطاعية، خضعت للإصلاح الزراعى، وأن أباه كان مرشحاً للباشوية فى يوليو قبيل الثورة، بينما شب ابنه المستقل فى رأيه ناصرياً، كما لم أكن أعرف أنه عين مدرساً فى الجامعة لتفوقه، وحصل على دبلوم فى الدراما الشكسبيرية والماجستير من الجامعة الأمريكية، وأوشك أن يصبح دكتوراً أكاديمياً، لكنه أثر الصحافة وبريقها ودهاليزها المغرية فى الأهرام قريباً من صهد السياسة، ووصل فيها إلى تأسيس ورئاسة تحرير «الأهرام إبدو» بمهنية عالية، ونفهم أن قربه الحميم من كبار أعلام الفكر والأدب مثل توفيق الحكيم الذى ارتبط به عائلياً بالمصاهرة ونجيب محفوظ الذى أودعه أغلى أسراره وأنابه عنه فى إلقاء بيانه فى احتفالات نوبل بلغة إنجليزية بليغة وغيرهما من كبار الأعلام لم يكن من قبيل الصدفة، بل الجدارة والكفاءة الأدبية والشخصية. وكنت عندما أقرأ وأشاهد أعمال سلماوى المسرحية، وآخرها «الجنزير» أدرك أنه يكاد ينافس الكبار من الجيل السابق عليه فى إتقان صنعه والتمكن من أسرارها الجمالية والتصدى الشجاع للمشكلات المستجدة مثل أوبئة التعصب الدينى والطائفية، وقد فوجئت به ذات يوم يعطينى مخطوطة رواية جديدة له بعنوان «أجنحة الفراشة» ويشكو إلىَّ من أن أحد الزملاء النقاد قد نصح الناشر بعدم طباعتها لخطورتها عليه وعلى النظام السياسى، حيث تصور بطريقة جمالية وتلقائية بديعةثورة تقوم فى مصر وتتمركز فى «ميدان التحرير» على وجه الخصوص، أدهشتنى الرواية وذهلت من جرأتها فأردت أن أعطيها دفعة قوية، كتبت مقالاً عنها فى الأهرام، ولم تلبث الأحداث أن صدقتها وأصبحت من النبوءات الأدبية المبهرة السباقة.

كان سلماوى قريباً من الأوساط السياسة مطلعاً على كثير من الأسرار، تربطه صداقات حميمة برجالها، وعندما تولى رئاسة اتحاد كتاب مصر أعاد لمصر قيادة اتحادات الكتاب العرب بمهارة بالغة، بل استطاع الحصول على دعم كبير من بعض القادة العرب، وأعاد للاتحاد الشموخ والفاعلية والنشاط المتوهج.

وعندما قرر بمحض إرادته التنازل عن رئاسة الاتحاد كان يضرب مثلاً مدهشاً على مقاومة إغراء الاستمرار فى السلطة الأدبية لإتاحة الفرصة لغيره، ثم أخذ يسعى لحث مؤسسة التضامن الآسيوى الإفريقى على بعث اتحاد الكتاب الذى كان يتبعها فى عصرها الذهبى، وتولى رئاسته وإدارته سنوات عديدة ليرفع اسم مصر مرة أخرى مع ما فى ذلك من تضحيات مادية وأدبية. أما بعد ثورة يناير فقد شاركته فى كثير من الأنشطة الشاقة، من أهمها عضوية المجلس الاستشارى للمجلس العسكرى فى أجواء الثورة العاصفة، وأعرف أنه قد رفض تولى وزارة الثقافة ورشح بدلاً منه الصديق المثقف شاكر عبدالحميد، وتولى بعد ذلك رئاسة الفريق الذى يقود حملة ترشيح عمرو موسى للرئاسة، كان يجمعنا الإحساس باللحظة التاريخية الفاصلة فى مصير مصر وضرورة مقاومة الكارثة الإخوانية القادمة، وسرعان ما انقشعت الغمة بعد عام الإخوان الأسود والتقيت مرة أخرى مع محمد سلماوى فى ردهات مبنى مجلس الشيوخ، كان قد دخل لجنة الخمسين لكتابة دستور ٢٠١٤ وأصبح الناطق الرسمى باسمها، وكنت قد ندبت للعمل مستشاراً فى لجنة الصياغة، صممنا معاً لأول مرة الجزء الخاص بالثقافة مما ليس له نظير فى الدساتير السابقة، وكونا لجنة مصغرة لكتابة مقدمة الدستور التى تشرح فلسفته وخطوطه الجوهرية قبل تفصيل مواده، وكان معنا فى اللجنة الشاعر الراحل سيد حجاب، فغاب عن حضورجلساتنا، ولما فرغنا من صياغة المقدمة وعرضناها على لجنة الخمسين قام بصحبة بعض رفاقه بطلب إعادة كتابتها بأسلوبه الشعرى ورضينا بذلك إيثاراً لروح الوفاق، وعندما تم الاستفتاء على الدستور واطمأننا لاستقرار الأوضاع فى مصر كان سلماوى قد تولى مهمة رئاسة تحرير «المصرى اليوم» فأردت نشر مقال أذيع فيه نص المقدمة المهجورة وسر تغييرها بعدما تعرضت مقدمة الشاعر للنقد من بعض الجهات، فطلب منى أن أغض الطرف عن هذه الأسرار حتى لا يستغلها أعداء النظام من الإخوان للتشكيك فى الدستور فوافقته على رأيه، وأجلت نشر هذه الوقائع حتى طبعتها فى كتابى عن «وثائق الأزهر ما ظهر منها وما بطن».

كان سلماوى أحد كبار الأدباء الذين سعدت برفقتهم وحظيت باحترامهم وثقتهم خلال العقود الماضية، لكن جانباً إنسانياً بديعاً فيه يستحق التنوبه فى نهاية هذه الكلمة الوجيزة، عندما وقعت فى قبضة «الفك المفترس» كان أول من زارنى فى البيت وعرض علىَّ حث وزارة الثقافة على الإسهام فى علاجى فشكرته بصدق وأخبرته أننى قررت أن أتحمل وحدى مسؤولية ذلك، وعندما علم بترشيحى لجائزة النيل أعلن انسحابه من الترشيح إيثاراً لى حتى حصلت عليها عام ٢٠١٨ وكرر الموقف ذاته فى العام التالى مع الصديق جابر عصفور، وبهذا يبرهن سلماوى عملياً وفى مواقف دقيقة يتكشف فيها معدن الرجال على نبله الإنسانى الحقيقى ومستواه الرفيع فى الإيثار والبعد عن النرجسية التى تهيئ لأصحابها أنهم أحق من غيرهم. ويظل محمد سلماوى نموذجاً مثالياً فى تكوينه المعرفى والثقافى وإنتاجه المسرحى الذى جمعه مؤخراً فى مجلدين، وإن كنت أنتهز هذه الفرصة كى أدعوه أن يتفرغ لإعطاء قبلة الحياة للكتابة المسرحية والعمل على استئناف العروض الجادة الممتعة لأن خبرته المعتقة بفنون الكتابة ودائرة علاقاته الواسعة فى تيسير العروض كفيلان بتمكينه من إرواء خشبة المسرح الظامئة للإبداع الأصيل.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    58,141

  • تعافي

    15,535

  • وفيات

    2,365

---------------------------------------------------
مصدر الخبر الاصلي موقع : المصري اليوم

0 تعليق